شاهد الطفل جلال مقتل أمه على يد طليقها. لم يفهم لماذا حُرم منها، وما هو الموت؟ وظلت الكوابيس تطارده لسنوات. وفي الكتاب سمع الشيخ يقول إن الموت نهاية كل حي وان تلك هي إرادة الله. فسأله بغضب: ولكن لماذا؟ وحين ألح في السؤال، غضب الشيخ وألهب قدميه بالعصا.
لكن الضرب لم يطفئ السؤال، بل جعله يكبر معه.
كبر جلال، وعندما أوشك على الزواج من حبيبته، اختطفها الموت قبل الزفاف بأيام، وكأن الحياة تعيد عليه المأساة نفسها للمرة الثانية.
منذ تلك اللحظة لم يعد جلال يحارب البشر، بل صار يحارب الموت.
أصبح سيد الحارة بعد أن هزم أقوى فتواتها، لكن القوة لم تشفِ خوفه. وكلما ازدادت سطوته، ازداد اقتناعًا بأن عدوه الحقيقي لا يُهزم بالسلاح.
قادته رحلته إلى ساحر قيل له إنه يملك سر الخلود. حذره الرجل قائلًا:
“المؤمن لا يرغب في الخلود… ستتمنى الموت يومًا ولن تناله.”
لكن جلال لم يكن يبحث عن الحكمة، بل عن النجاة. دفع ثمنًا باهظًا، واعتزل عامًا كاملًا لا يراه أحد تنفيذًا للطقوس، ثم خرج مقتنعًا أنه أصبح خالدًا.
ومنذ تلك اللحظة تغير كل شيء.
لم تعد عشيقته سوى زهرة بين عشرات الزهور في حديقته. ولم يعد يرى في البشر سوى كائنات فانية، بينما ظن نفسه قد تجاوز مصيرهم. وفي أحد الأيام وبدافع الغيرة قدمت له عشيقته كأسًا دسّت فيه السم، فمات في ريعان شبابه، تمامًا كما يموت سائر البشر.
لم يستطع جلال أن يهزم الموت، لكنه وقع ضحية المشعوذ الذي وعده بذلك.
تلك كانت إحدى قصص ملحمة الحرافيش لنجيب محفوظ، ولعل هذه القصة تتكرر دومًا عبر العصور.
فمنذ آلاف السنين، كتب الإنسان ملحمة جلجامش بحثًا عن الخلود، ثم جاء الخيميائيون يبحثون عن إكسير الحياة، ثم ظهر المشعوذون الذين باعوا الوهم للناس، واليوم نستخدم لغة أكثر علمية، ونملك أدوات أكثر تقدمًا، لكن السؤال القديم لم يتغير.
ففي عصرنا، لم يعد الناس يبحثون عن الخلود عند المشعوذين، بل في المختبرات، وتحاليل الدم، والهندسة الوراثية، والذكاء الاصطناعي.
ومن أشهر الأمثلة على ذلك الملياردير الأمريكي براين جونسون، الذي أنفق ملايين الدولارات على مشروع يهدف إلى إبطاء الشيخوخة وإطالة العمر. يخضع لعشرات الفحوص الطبية بصورة منتظمة، ويتبع نظامًا غذائيًا صارمًا، ويجرب أحدث ما توصل إليه العلم في محاولة للحفاظ على جسده في أفضل حالاته.
ولا شك أن كثيرًا مما يفعله يستند إلى أبحاث علمية حقيقية، لكن السؤال الذي يلفت الانتباه هو:
إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يفاوض الزمن؟
براين يذكرني بجلال مع الفارق. كلاهما رفض فكرة الموت وسعى إلى الخلود ولكن في حين وقع جلال ضحية لمشعوذ، يسعى براين إلى العلم أملا في أن يجد حلا.
ومثل جلال الذي مر بمأساة مقتل أمه ووفاة حبيبته، مر براين بفترة من السمنة والإجهاد والاكتئاب الشديد في بداية حياته، ثم تحولت رحلته تدريجيًا إلى مشروع كامل لإعادة بناء الجسد.
ومن مفارقات القدر أنه، رغم كل هذا الحرص، أعلن براين مؤخرًا عن إصابته بمرض نادر من أمراض المناعة الذاتية التي تصيب المعدة.
القصة تذكرنا بحقيقة بسيطة: هناك فرق بين السعي إلى تحسين الصحة، والسعي إلى إلغاء هشاشة الإنسان.
فالطب ينبغي أن يساعدنا على أن نكون أكثر صحة، لا أن يعدنا بالخلود. والعلم يستطيع أن يؤخر بعض آثار الشيخوخة، ويعالج كثيرًا من الأمراض، لكنه لا يستطيع أن يلغي الحقيقة التي يتشارك فيها جميع البشر.
لعل السؤال المهم هو:
هل المشكلة حب الحياة؟
أم كراهية الموت؟
هناك فرق كبير بين الأمرين.
لقد خسر جلال حياته؛ لأنه جعل الخوف من الموت أكبر من الحياة نفسها. ولعل أخطر ما يواجه الإنسان ليس الموت، بل الخوف منه الذي يسرق الحياة ذاتها.