حتى المنجمون وأكثر الناس تشاؤمًا لم يكونوا يستطيعون التنبؤ بما وصلت إليه صناعة السيارات الألمانية من انهيارات اقتصادية متتالية.
أزمات تهدد بتفكيك إمبراطوريتها في صناعة السيارات، بل وتشتيتها إلى باقي الدول -ما كانوا يسمونه قديمًا "النقل إلى أوروبا الشرقية"- الحكاية ببساطة أنه منذ عام 2025 بدأت علامات الانهيار الاقتصادي في هذا القطاع الذي يشغل نحو 770 ألف عامل، احتجاجات عمالية، وتأخير في دفع الرواتب، والتلويح بخفض العمالة.
وراحت هذه الاضطرابات تتفاقم حتى وصل الحال من سيّئٍ إلى أسوأ، بعض الاقتصاديين راحوا يفندون الأسباب. وقفزت إلى السطح لأول مرة المنافسة العنيفة مع السيارات الصينية التي لم يعد أمام الغرب إلا رفع راية الاستسلام أمام تكنولوجيتها المتطورة بقفزات "كنغورية" -تشبه حركة الكنغر- بالإضافة إلى السيطرة الاقتصادية في هذا القطاع، مما دفع الصينيين إلى شراء شركات أوروبية والاستحواذ على نسبة من أسهم شركاتها، وهذا كسر شوكة "العنجهية الأوروبية" والنظرة الفوقية لأي سيارة تحمل شعار "صُنعت في ألمانيا".
الغريب أن هذه النظرة الفوقية انتقلت أيضاً إلى من يمتلك أي سيارة تنتمي إلى صناعتهم: المتانة والقوة والتقدم التكنولوجي والفخامة بداية من التصميم ونهاية بالمواصفات، شعور بالفخر يشعر به من يمتلك سيارة ألمانية.
وما إن بدأ الزحف الصيني على أوروبا حتى بدأ الصراع؛ الأوروبيون أصبحوا يفضلون السيارات الصينية في عالم السيارات الكهربائية، وراحوا يقبلون عليها، في نفس الوقت كانت الشركات الألمانية تواصل نزيف المعاناة الاقتصادية، فبدأت سلسلة إغلاق المصانع.
تعالوا نقلب في دفتر الأزمات: نجد فولكس فاجن أكبر مصنع سيارات في العالم يغلق أحد أكبر مصانعه في ألمانيا، وتدرس الشركة إغلاق 4 مناطق إضافية، بالإضافة إلى تسريح آلاف الوظائف.
أما بورش فآلاف العمال يتظاهرون، وعمال مرسيدس يتظاهرون بسبب خفض التكاليف، كل هذه المشكلات تفاقمت مع خفض مصانع السيارات 33% من طاقتها التصنيعية، في الوقت الذي تدفع فيه الشركات تكاليف ضخمة للعمالة والطاقة.
وبما أن المسألة اقتصادية بحتة، وجدت بعض الشركات الطريق الأسهل، وهو نقل المصانع للمجر؛ حيث التكاليف الأقل في العمالة.
في الوقت الذي عثرت فيه شركة فولكس فاجن على ضالتها لاحتواء جزء بسيط من خسائرها بعقد اتفاق مع شركة إسرائيلية تعمل في المعدات العسكرية والقبة الحديدية.
القارئ للمشهد الألماني اقتصاديًا يجد أنه في مأزق لا يُحسد عليه عالميًا وتاريخيًا يدفعنا ذلك إلى طرح تساؤل: هل بدأ نجم صناعة السيارات الألمانية في الأفول؟ أم ستتجاوز أزمتها؟ وهل الوضع الراهن عالميًا يسمح بذلك في ظل التوترات الإقليمية؟
ننتظر ونراقب لنرى..