لم تعد الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، والتي استمرت تسعة وثلاثين يومًا، مجرد مواجهة عسكرية انتهت بوقف إطلاق النار، وإنما مثلت نقطة تحول استراتيجية أعادت رسم أولويات الصراع في الشرق الأوسط، وفرضت واقعًا سياسيًا وأمنيًا جديدًا سيحكم التفاعلات الإقليمية خلال السنوات المقبلة. فما قبل هذه الحرب ليس كما بعدها، ليس فقط لأن موازين القوى تغيرت، وإنما لأن موضوع الصراع نفسه تغير.
فعلى مدى أكثر من عقدين، ظل البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية يمثلان العنوان الرئيسي لأي تفاوض بين واشنطن وطهران، غير أن الحرب الأخيرة كشفت أن الملف الأكثر تأثيرًا لم يعد يدور حول نسب تخصيب اليورانيوم أو أعداد أجهزة الطرد المركزي، وإنما حول أمن الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي تحول من ممر استراتيجي لنقل الطاقة إلى مركز لإعادة تشكيل معادلات الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.
لقد أثبتت الحرب أن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بحجم الجيوش أو الترسانات العسكرية، وإنما بامتلاك القدرة على التأثير في تدفقات التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ولذلك، لم يعد مضيق هرمز مجرد شريان يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، بل أصبح إحدى أهم أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري، وأحد أبرز محددات التوازن بين القوى الكبرى والإقليمية.
ومن هنا، جاء التحول الأكبر في مسار التفاوض. فلم يعد المضيق مجرد ورقة ضغط تستخدمها الأطراف للحصول على تنازلات في ملفات أخرى، بل أصبح هو نفسه محل التفاوض. وأصبح السؤال المطروح ليس من يسيطر على المضيق فحسب، وإنما من يضع قواعد الملاحة فيه؟ ومن يضمن أمنه؟ ومن يمتلك حق تنظيم الحركة داخله؟ وهي أسئلة تعكس انتقال الصراع من التنافس على الأراضي إلى التنافس على إدارة التدفقات الاستراتيجية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، جاء الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران باعتباره محاولة لاحتواء تداعيات الحرب، وتهيئة المناخ لاستكمال المفاوضات. إلا أن هذا الاتفاق حمل في داخله منذ البداية عوامل هشاشته، لأنه قام على افتراض حسن النية بين الأطراف، بينما كانت الوقائع الميدانية تؤكد أن فجوة الثقة أصبحت أوسع من أن تعالجها نصوص عامة أو تفاهمات أولية.
وهنا برزت أزمة الثقة باعتبارها المحدد الحقيقي لتعثر الاتفاق. فالمشكلة لم تكن في عدد البنود أو في الصياغات القانونية، وإنما في غياب الثقة السياسية والاستراتيجية. فالولايات المتحدة كانت تنظر إلى الاتفاق باعتباره مدخلًا لإعادة تنظيم البيئة الأمنية في الخليج، وضمان استمرار حرية الملاحة، وتقليص قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة ضغط. أما إيران، فقد تعاملت معه باعتباره وسيلة للحفاظ على مكاسب ما بعد الحرب، وتثبيت قدرتها على التأثير في أمن الخليج، وعدم التخلي عن أهم أدوات الردع التي لا تزال تمتلكها.
وبين هذين التصورين المتناقضين، اتسعت فجوة الإدراك بين الطرفين. فلم يعد أي منهما يقرأ بنود الاتفاق باعتبارها التزامًا قانونيًا، وإنما باعتبارها إطارًا سياسيًا يمكن تفسيره وفقًا لمقتضيات المصلحة الوطنية. ولذلك، لم يكن غريبًا أن تتحول كل حادثة بحرية، وكل استهداف لناقلة، وكل تحرك عسكري محدود، إلى اختبار جديد لقدرة الاتفاق على الصمود.
ومن هنا، يمكن القول إن الاتفاق لم يفقد فاعليته بسبب نقص النصوص، بل لأن الثقة التي تمنح النصوص قيمتها كانت غائبة منذ البداية. فالاتفاقات الدولية لا تنجح بمجرد توقيعها، وإنما بوجود قناعة متبادلة بأن الالتزام بها يحقق مصالح جميع الأطراف. أما عندما يغيب هذا الحد الأدنى من الثقة، فإن كل أزمة تتحول إلى دليل إضافي على سوء النوايا، ويتحول التفاوض إلى امتداد للصراع بوسائل دبلوماسية، بدلًا من أن يكون طريقًا لإنهائه.
وما يزيد من تعقيد المشهد أن أزمة الثقة لم تعد مقتصرة على العلاقة بين واشنطن وطهران، بل أصبحت أزمة في بنية النظام الإقليمي بأكمله. فإيران تنظر إلى أي ترتيبات أمنية جديدة باعتبارها محاولة لتقييد نفوذها، والولايات المتحدة تتعامل مع السلوك الإيراني باعتباره مصدرًا دائمًا لعدم اليقين، بينما تراقب دول الخليج المشهد بحذر، وتسعى إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، مع الحفاظ على أمنها واستقرارها في الوقت ذاته.
كما كشفت الأزمة عن تحول أوسع في طبيعة المنافسة الدولية. فالصراع لم يعد يدور حول السيطرة على اليابسة بقدر ما أصبح يدور حول السيطرة على الممرات البحرية والتدفقات الاستراتيجية. ومن هنا تكتسب مضائق مثل هرمز، وباب المندب، وملقا، وقناة السويس أهمية استثنائية، باعتبارها نقاط ارتكاز في إعادة تشكيل النظام الجيوسياسي العالمي.
وفي هذا الإطار، لا يمثل مضيق هرمز مجرد حالة منفردة، بل نموذجًا قد يتكرر في ممرات بحرية أخرى. فما يتم التوافق عليه اليوم بشأن إدارة الملاحة في هرمز قد يصبح مرجعًا تستند إليه القوى الكبرى عند التعامل مع بقية الممرات الاستراتيجية، وهو ما يمنح هذه الأزمة أبعادًا تتجاوز حدود الخليج العربي لتصل إلى مستقبل النظام البحري الدولي بأكمله.
وفي المقابل، أظهرت دول الخليج قدرًا كبيرًا من ضبط النفس، وحرصت على عدم الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة، إدراكًا منها أن الاستقرار يمثل مصلحة استراتيجية مشتركة، وأن أي حرب جديدة ستكون كلفتها السياسية والاقتصادية والأمنية باهظة على الجميع.
أما الموقف المصري، فقد حافظ على ثوابته المعروفة، القائمة على رفض أي اعتداء على الدول العربية، والتأكيد على أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وأن حماية الممرات البحرية وضمان حرية الملاحة تمثلان مصلحة دولية وإقليمية مشتركة. ويعكس هذا الموقف رؤية مصرية تقوم على الاتزان الاستراتيجي، وتغليب الحلول السياسية، ومنع انزلاق المنطقة إلى دوائر جديدة من الصراع.
لقد أثبتت الأزمة أن الحروب قد تتوقف عسكريًا، لكنها لا تنتهي سياسيًا بمجرد توقيع اتفاقات أولية. فالسلام لا تصنعه الوثائق وحدها، وإنما تصنعه الثقة، والضمانات، والإرادة السياسية. وعندما تغيب هذه العناصر، تتحول الاتفاقات إلى هدن مؤقتة قابلة للاهتزاز مع أول اختبار ميداني.
وفي النهاية، فإن مستقبل مضيق هرمز لن تحدده القوة العسكرية وحدها، ولن ترسمه نصوص الاتفاقات الإطارية فقط، وإنما ستحدده قدرة الأطراف على تجاوز أزمة الثقة التي أصبحت العنوان الحقيقي للصراع. فالمضيق لم يعد مجرد ممر لنقل النفط، بل أصبح مقياسًا لشكل النظام الإقليمي الجديد، واختبارًا لقدرة القوى الكبرى والإقليمية على إدارة تنافسها دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
ولعل الدرس الأهم الذي تفرضه هذه المرحلة هو أن القرن الحادي والعشرين يشهد تحولًا جوهريًا في فلسفة القوة؛ فالدول لم تعد تتنافس فقط على السيطرة على الأرض، وإنما على السيطرة على التدفقات الاستراتيجية: الطاقة، والتجارة، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، والبيانات. ومن ينجح في إدارة هذه التدفقات، سيكون الأقدر على صياغة توازنات النظام الدولي في العقود المقبلة.