هاتفك يسرّب أكثر مما تتخيل.. إشارات خافتة قد تكشف التطبيقات التي تستخدمها

19-7-2026 | 11:33
هاتفك يسرّب أكثر مما تتخيل إشارات خافتة قد تكشف التطبيقات التي تستخدمهاتسريب البيانات
عمرو النادي

كشفت دراسة صينية حديثة عن طريقة جديدة قد تسمح بتحديد التطبيقات التي تعمل على الهاتف الذكي من خلال تحليل إشارات كهرومغناطيسية خافتة يطلقها الجهاز أثناء التشغيل، في تطور يفتح بابًا جديدًا للنقاش حول الخصوصية، ليس عبر الإنترنت أو التطبيقات، بل من خلال الإشارات الفيزيائية التي تصدر عن الهاتف نفسه.

موضوعات مقترحة

وذكرت صحيفة South China Morning Post أن باحثين صينيين طوروا نموذجًا قادرًا على تحليل الإشارات اللاسلكية المتسربة من الهواتف الذكية، والتعرف على التطبيقات المستخدمة بدقة وصلت في بعض الحالات إلى 99.07%، بما في ذلك تطبيقات مثل Douyin ومكالمات الفيديو عبر WeChat وBaidu Maps والرسائل القصيرة.

كيف يحدث ذلك؟

عندما يعمل الهاتف، لا يرسل البيانات فقط عبر الشبكات المعتادة مثل الواي فاي أو شبكات المحمول، بل تصدر عنه أيضًا إشارات كهرومغناطيسية ضعيفة نتيجة نشاط المعالج والذاكرة ومكونات الاتصال والشاشة.

هذه الإشارات ليست موجهة للمستخدم ولا تظهر في الإعدادات، لكنها موجودة كأثر جانبي طبيعي لتشغيل الدوائر الإلكترونية داخل الجهاز.

الفكرة التي عمل عليها الباحثون هي أن كل تطبيق قد يترك «بصمة» مختلفة في طريقة تشغيل الهاتف، لأن تطبيق الخرائط مثلًا يستهلك المعالج والاتصال والموقع بطريقة تختلف عن تطبيق مراسلة أو مكالمة فيديو.

بصمة لكل تطبيق

بحسب الدراسة، يمكن تحليل هذه الإشارات باستخدام نماذج تعلم آلي، ثم مقارنتها بأنماط معروفة لتحديد التطبيق الذي يعمل على الهاتف.

لا يحتاج المهاجم في هذا السيناريو إلى اختراق الهاتف أو تثبيت تطبيق تجسس داخله، بل يعتمد على التقاط الإشارات المتسربة من الخارج وتحليلها.

وهنا تكمن الخطورة النظرية، لأن الأمر لا يتعلق بتصريح داخل النظام أو صلاحية يوافق عليها المستخدم، بل بقناة جانبية خارج السيطرة التقليدية لأنظمة التشغيل.

لماذا تعد هذه التقنية مقلقة؟

التطبيقات التي يستخدمها الشخص قد تكشف الكثير عنه، حتى دون معرفة محتوى الرسائل أو الملفات.

استخدام تطبيق بنكي، أو تطبيق صحي، أو تطبيق تواصل معين، أو خرائط في توقيت محدد، قد يعطي معلومات حساسة عن عادات المستخدم ونشاطه ومكانه واهتماماته.

ولهذا فإن القدرة على معرفة التطبيق المستخدم فقط، حتى دون قراءة البيانات، يمكن أن تكون مصدرًا مهمًا للمراقبة أو الاستهداف.

هل يمكن لأي شخص فعل ذلك؟

ليس بهذه السهولة. هذه التقنية لا تعني أن أي شخص بجوارك يستطيع فورًا معرفة ما تفعله على هاتفك.

التجربة البحثية تحتاج إلى أجهزة التقاط وتحليل للإشارات، ونموذج مدرب، وظروف قياس مناسبة، وربما قربًا من الهاتف أو بيئة يمكن التحكم فيها بدرجة ما.

لذلك، لا يجب التعامل مع الأمر كتهديد يومي مباشر لكل المستخدمين، لكنه يظل مهمًا لأنه يكشف نوعًا جديدًا من المخاطر التي قد تهتم بها جهات أمنية أو بحثية أو جهات تملك معدات متقدمة.

قناة جانبية لا يراها المستخدم

هذا النوع من الهجمات يُعرف عمومًا باسم هجمات القنوات الجانبية، وهي تعتمد على معلومات غير مباشرة بدل سرقة البيانات نفسها.

فبدلًا من كسر التشفير أو اختراق التطبيق، يحلل المهاجم آثارًا جانبية مثل استهلاك الطاقة، أو الحرارة، أو الاهتزازات، أو الإشارات الكهرومغناطيسية، أو أنماط الشبكة.

الفكرة تشبه معرفة ما يحدث داخل غرفة مغلقة من خلال الأصوات أو الظلال، دون فتح الباب.

لماذا لا يكفي التشفير؟

التشفير يحمي محتوى البيانات أثناء النقل، لكنه لا يخفي دائمًا كل الأنماط المحيطة بالاستخدام.

حتى إذا كانت رسائلك مشفرة، قد يظل هناك نمط في توقيت الاستخدام، أو حجم النشاط، أو الإشارات الناتجة عن تشغيل التطبيق.

ولهذا تعتبر هجمات القنوات الجانبية مزعجة للباحثين الأمنيين، لأنها لا تكسر القفل مباشرة، بل تبحث عن معلومات من الأشياء التي تتسرب حول القفل.

هل يخص الأمر أندرويد فقط؟

العنوان العام للدراسة يتحدث عن الهواتف الذكية، وليس أندرويد وحده. من الناحية النظرية، أي جهاز إلكتروني قد يصدر إشارات كهرومغناطيسية أثناء العمل.

لكن دقة التعرف تختلف حسب نوع الجهاز، وتصميمه الداخلي، ونظام التشغيل، والتطبيقات، وطريقة القياس، والبيئة المحيطة.

لذلك، لا يمكن القول إن كل هاتف معرض بنفس الدرجة، أو إن كل تطبيق يمكن كشفه بالسهولة نفسها.

ماذا يمكن أن تفعل الشركات؟

الحلول ليست بسيطة، لأن الإشارات الكهرومغناطيسية ناتجة عن طبيعة عمل المكونات الإلكترونية.

لكن الشركات يمكن أن تقلل الخطر عبر تحسين العزل الكهرومغناطيسي داخل الأجهزة، وتغيير أنماط التشغيل التي تجعل بصمة التطبيقات واضحة، وإضافة ضوضاء اصطناعية تقلل قدرة التحليل، أو تصميم مكونات أقل تسريبًا.

كما يمكن للأنظمة والتطبيقات تقليل الفروقات الواضحة في أنماط الاستهلاك، لكن ذلك قد يأتي على حساب الأداء أو البطارية.

ماذا يعني ذلك للمستخدم العادي؟

بالنسبة للمستخدم العادي، لا توجد خطوة بسيطة مثل إغلاق إعداد معين لمنع هذه الإشارات بالكامل.

لكن القاعدة العامة تبقى مهمة: حافظ على تحديث الهاتف، لا تثبت تطبيقات مجهولة، لا تترك هاتفك في بيئات غير موثوقة، ولا تتعامل مع الخصوصية باعتبارها مرتبطة بالإنترنت فقط.

أما الفئات الأكثر حساسية، مثل المسؤولين أو الصحفيين أو العاملين في مجالات أمنية أو مالية، فقد تحتاج في بعض الحالات إلى إجراءات حماية مادية أكثر صرامة، مثل منع استخدام الهواتف في غرف اجتماعات شديدة الحساسية أو الاعتماد على مساحات محمية كهرومغناطيسيًا.

بحث يكشف المستقبل لا الخطر الفوري

الأهم في هذه الدراسة أنها لا تقول إن كل الهواتف تُراقب بهذه الطريقة الآن، لكنها تكشف أن الهواتف الحديثة تترك آثارًا يمكن تحليلها بطرق لم تكن مألوفة للمستخدم العادي.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، تصبح القدرة على استخراج معنى من إشارات ضعيفة أو مشوشة أكبر من السابق.

ولهذا قد تتحول قنوات جانبية كانت تبدو غير مفيدة إلى مصادر معلومات مهمة في المستقبل.

الخصوصية لم تعد داخل الشاشة فقط

في النهاية، تكشف الدراسة الصينية أن حماية الخصوصية لا تتوقف عند كلمات المرور والتشفير ومنع أذونات التطبيقات.

الهاتف نفسه، كجهاز إلكتروني، يصدر إشارات يمكن أن تحمل بصمات عن طريقة استخدامه، حتى لو لم تكشف محتوى البيانات مباشرة.

قد لا يكون هذا تهديدًا مباشرًا لكل مستخدم اليوم، لكنه تذكير مهم بأن عالم التجسس الرقمي يتحرك إلى ما وراء الشاشة والشبكة، وأن الهاتف قد يبوح أحيانًا بما نفعله من خلال إشارات لا نسمعها ولا نراها.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: