يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 216]. صدق الله العظيم.
فازت مصر والعرب وفلسطين وحسام حسن في كأس العالم، وحققوا مكاسب كبيرة لم يكن أحد يتوقعها، وهذه المكاسب أكبر بكثير مما لو انتهت المباراة بفوز مصر على بطل العالم؛ فهي كرة القدم بمفاجآتها وتقلباتها، وفي النهاية فإن المكسب الرياضي فقط يقتصر على الكرة المصرية والجمهور، ولكن ما حدث من أحداث صاحبت المباراة وما ترتب عليها حقق مكاسب أكبر بكثير من مجرد الفوز على بطل العالم.
لقد تجاوزت الأحداث ذلك إلى مكاسب ضخمة أعادت للعالم صورة مشرقة لمصر أم الدنيا وللقضية الفلسطينية، وجلبت تعاطفاً عالمياً معها، ثم أكدت وحدة الشعوب العربية ووقوفها إلى جانب مصر، وأن العرب كلهم على قلب رجل واحد مع مصر حتى في الرياضة. وشهد العالم كله كيف تعرض الفريق المصري للظلم المتعمد من الحكم و"الفار" والفيفا، فكسب تعاطف الرأي العام والعالم، ليس لمصر فقط، ولكن أيضاً للقضية الفلسطينية.
إن ما حدث في كأس العالم يعتبر في الحقيقة نصراً كبيراً جداً لمصر وفلسطين والعرب والكابتن حسام حسن؛ فقد حقق إنجازاً تاريخياً، وما حدث يؤكد العلاقة الكبيرة والتاريخية بين الكرة والسياسة.
أولاً: إن العلاقة بين الكرة والسياسة علاقة تاريخية، وطوال عمرها كانت الكرة مرتبطة بالسياسة، وإن قيام الكابتن حسام حسن برفع علم فلسطين عمل يُشكر عليه؛ لأن تداخل الكرة بالسياسة حقيقة موجودة في العالم كله.
وإذا رجعنا إلى نشأة بطولة أوروبا لكرة القدم، فهي ترجع إلى ما حدث بعد الحرب العالمية الثانية الرهيبة التي كان ضحاياها ملايين من الأوروبيين بعضهم من بعض. فبعد هذه الحرب، وفي عام 1950، بدأت أولى الروابط أو الاتحاد الأوروبي من خلال مبادرة روبرت شومان، حيث تم إنشاء "الجماعة الأوروبية للفحم والصلب"، ثم كانت معاهدة روما في مارس 1957 للسعي لتأسيس السوق الأوروبية المشتركة، ثم أقيمت أول بطولة لأوروبا لكرة القدم عام 1960 لتجميع الشعوب الأوروبية وتوحيدها لمواجهة المشكلات والصراعات الناتجة عن الحرب العالمية الثانية.
وفي مصر، أقام جمال عبدالناصر أول بطولة إفريقية لكرة القدم بغرض سياسي، وهو تجميع الدول الإفريقية. كما أقيمت أول بطولة عربية لكرة القدم باسم "كأس فلسطين" لتجميع العرب حول القضية الفلسطينية؛ فعلاقة الكرة بالسياسة علاقة قديمة في العالم كله.
ثم إن أمريكا نفسها، في هذه البطولة، تدخل رئيسها لرفع الطرد أو الكارت الأحمر الذي وُجِّه لأحد لاعبي فريق أمريكا بتدخل مباشر وسافر أمام الجميع، ومن ثم فإن الكابتن حسام حسن حينما رفع علم فلسطين لم يكن أول من أدخل السياسة في الرياضة أو الكرة، فالكل سبقوه في ذلك، وهو يُشكر على هذا الموقف؛ لأن قضية فلسطين هي قضية العالم العربي، بل أصبحت قضية الأحرار والإنسانية في العالم كله.
وأي إنسان اليوم يقف مع الشعب الفلسطيني ضد الظلم والعدوان السافر الذي لا يرحم طفلاً أو امرأة أو أي شيء، فالعالم كله -بما في ذلك الشعب الأمريكي الآن- معظمه متعاطف مع القضية الفلسطينية، ولذلك كسبت فلسطين كثيراً مما حدث في كأس العالم، وخاصة بعد الظلم المتعمد الذي تعرض له الفريق المصري.
ثم إن الجماهير والشعوب العربية في كل بلد عربي كانت متعاطفة بشدة مع مصر والفريق المصري، وكل العرب وقفوا إلى جوار مصر، حتى الرأي العام العالمي تعاطف مع الفريق المصري، وكانت معظم ردود الفعل العالمية قد أكدت أن مصر تعرضت فعلاً لظلم تحكيمي مقصود من جانب الحكام و"الفار" ومن جانب الفيفا، وهذا اعترف به الأجانب قبل المصريين أو العرب فعلاً؛ وخاصة مع تقنية "الفار" التي أصبح واضحاً من خلالها أنه حتى لو أخطأ الحكم فمن الممكن تصليح هذا الخطأ، إلا أن "الفار" تدخل لمصلحة الأرجنتين وظلم الفريق المصري.
وفي الختام، فإن الأمانة تقتضي الإشارة إلى أن هناك بعض الملاحظات الفنية على الفريق المصري، ويمكن اختصارها بأن أسلوب اللعب اتسم بحسن النية، وكانت هناك وسائل يجب استخدامها للحفاظ على المكسب، أهمها باختصار الآتي:
التغيير في آخر المباراة؛ حيث كان ينبغي زيادة عدد المدافعين بدلاً من مرموش وتريزيجيه.
محاولة إضاعة الوقت ووقف اللعب وتعطيله للإصابة أو لغيرها.
اللعب العنيف وغيرها من الوسائل المعروفة لإضاعة الوقت.
هذه بعض الملاحظات الفنية، ولكن لا شك في أن التحكيم المتعمد قد ظلم الفريق المصري وحرمه من نصر يستحقه، ورغم كل ما سبق، فقد حقق الفريق المصري بقيادة حسام حسن إنجازاً تاريخياً يُحسب للجميع.
والله ولي التوفيق.
أستاذ علم الاجتماع البيئي بكلية التربية - جامعة عين شمس