غسان كنفاني.. اختار حياته وطريقة موته

11-7-2026 | 13:36

"اليوم تخلصنا من لواء فكري مسلح كان يشكل بقلمه خطرًا على إسرائيل أكثر مما يشكله ألف فدائي مسلح"؛ هذا تعليق جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل فور اغتيال غسان كنفاني بعبوة ناسفة في سيارته في 8 يوليو 1972.

لا يُقاس العمر بالأعوام؛ بل بما سعى الإنسان لفعله ونجح فيه وتتسع القيمة إذا ما "اختار" الإنسان العيش خارج دائرة أحلامه الشخصية "الضيقة" واتسعت أهدافه لتشمل فعل أفضل ما يمكنه لوطنه..

نجح غسان كنفاني في ذلك بالرغم من أنه غادر بجسده الحياة وهو في السادسة والثلاثين من العمر.

وُلد غسان في 9 أبريل 1936 في عكا وغادر وطنه "مُجبرًا" لكنه لم يغادره بقلبه؛ قال غسان: "يسألونك أين وطنك؟ قل: في الرحم، في الموقف، في الكلمة الحرة، في الوجه الذي يطل من نافذة الشهيد".

اختار غسان طريقه؛ إذ كان يستطيع العمل بالصحافة والأدب بعيدًا عن "قضيته" ولكنه رفض العيش بلا كفاح، ورفض الشعارات كما لفظ الاستجداء وانتظار العون أو الارتزاق من القضية، وهاجم من فعلوه..
أكد: "سأظل أناضل لاسترجاع الوطن، لأنه حقي وماضي ومستقبلي الوحيد، لأن لي فيه شجرة وغيمة وظل وشمس تتوقد وغيوم تمطر الخصب وجذور تستعصي على القلع".

كتب بأمانة عن أوجاع الفلسطينيين في المنافي والملاجئ في الأرض المحتلة مطالبًا "بالحق" في العيش بعزة وحرية وجسد ذلك في رواياته وقصصه ومقالاته وفي كتاباته للأطفال؛ ولم يترك أي مجال "يمكنه" أن يزرع فيه الصمود، وكان يقول: "الأطفال هم مستقبلنا". 

كان "واقعيًا" يدرك حتمية وجود أخطاء في مسيرة التحرير فقال: "إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية؛ فالأجدر بنا أن نغير المدافعين لا أن نغير القضية".

كان يسابق الأعوام ليكتب فقدم 18 كتابًا تم ترجمة كتبه إلى 16 لغة تقريباً، وكتب مئات المقالات، تعددت إبداعات غسان فكتب قصة وهو في التاسعة عشرة من عمره والروايات المسرحية ودراسات أدبية وكتبًا للأطفال، وكان فنانًا تشكيليًا.

ولأنه كان "صادقًا" في اختياره النضال وفي احترامه للإبداع عاشت أعماله التي "تنبض" برفض الانكسار أو الاستسلام رغم بشاعة تفاصيل ما تعرض له أبناء وطنه منذ النكبة من فواجع متتالية وفقدان لمقومات الحياة الإنسانية والحياة المؤلمة مع تواصل الفقد والترحيل القصري.

شارك غسان كنفاني في تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ورفض الإغراءات المادية ليتخلى عن نصرة وطنه بالكلمة والموقف، ورفض المساومات والتنازلات وقال كلمته الخالدة: "يسرقون رغيفك، ثم يعطونك منه كسرة، ثم يأمرونك أن تشكرهم على كرمهم.. يا لوقاحتهم". 

رسخ فكرة المقاومة في أدبه، وأكد أن الحياة في الملاجئ "مؤقتة" وليست حلًا ولابد من العودة للوطن، وأجاد في نقل تفاصيل المعاناة بكل تفاصيلها الموجعة اليومية للقراء وكيف لا يفعل؟ وقد عاش التهجير القسري مع أسرته في عام 1948 إلى لبنان، واضطر للعمل في توزيع الصحف وفي مطبعة وفي مطعم، وكتب: "إن كل يوم يحفر في صمودي صدعًا لا يعوض"..

واهتم بمواصلة تعليمه وعاش المعاناة مع أسرته "واحترم" كفاح والده وقال: يجب أن نسكت عندما يتكلم الأب عن مشاكله، ونهز رؤوسنا باسمين عندما يقول لنا: اصعدوا الجبل ولا تعودوا إلا في الظهر". 

لم يكتب غسان عن فلسطين كمثقف يعيش بعيدًا عن الواقع ويكتفي بالتنظير -كما يفعل غالبية المثقفين-؛ بل تنفس أوجاع الوطن فتمكن من جعل القارئ "يعايش" جرائم الاحتلال منذ النكبة ويرى معاناة اللاجئين صغارًا وكبارًا ويمنع إنهاء قضية فلسطين مهما طال وقت الاحتلال.

امتلك غسان "الوعي" بأن تحرير فلسطين لن يحدث بسهولة وأنه يستلزم الجهد المخلص المثابر وكتب: هذه المرأة تلد الأولاد، فيصيرون فدائيين، هي تخلف وفلسطين تأخذ"، وقال: "ليس المهم أن يموت أحدنا، المهم أن تستمروا".

تنبه غسان لمحاولات دفعه للتخلي عن قضيته فقال: "لقد حاولوا أن يذوبوني كقطعة سكر في فنجان شاي ساخن وبذلوا، يشهد الله جهدًا عجيبًا من أجل ذلك، ولكنني ما زلت موجودًا رغم كل شيء".

وما زال غسان موجودًا رغم غياب جسده؛ فما زالت كتبه يُعاد طبعها وتترجم رواياته وبعض منها تحول إلى أفلام سينمائية، وأقواله "تملأ" وسائل التواصل الاجتماعي وتتناقلها الأجيال الجديدة بشغف "واحترام" لرفضه الانحناء أمام العدو، وكيف لا يفعل؟ وهو القائل: "الخيانة في حد ذاتها ميتة حقيرة، لن تجد ترابًا يحن عليك يوم موتك، ستشعر بالبرد حتى وأنت ميت".

اختار غسان طريقة موته؛ فقد كان واثقًا أن العدو سيقتله ولم يخفْ أو يتراجع وهو القائل: "إن قضية الموت ليست أن يموت المرء، بل في سبيل ماذا يموت".

"لا تمت قبل أن تموت ندًا للعدو"؛ قالها غسان وفعلها"؛ فبذل حياته في الدفاع عن فلسطين بالكلمة وبالفعل؛ فقد شارك في تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكان أول من كتب عن أدب المقاومة واهتم بالكتابة عن أدب الصهاينة "لفهم" أكثر للعدو وكيف يفكر.

تميز بالقوة في رفض الاحتلال ولم يلجأ لاستدرار العطف على المذابح؛ بل طالب بالصمود "وانتزاع" الحقوق الفلسطينية رغم التحديات التي لم ينكرها أبدًا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: