الظل أولى أم النخيل؟!

9-7-2026 | 14:22

هناك سؤال بسيط.. لكنه يختبئ وسط الأشجار.. هل نزرع ما نحب؟ أم نزرع ما ينفع؟.. وهل ما زلنا نتخاصم مع بديهيات الطبيعة.. وعصر الاحتباس الحراري؟!

في عصر قديم وقف عبدالرحمن الداخل، "صقر قريش"، ذات يوم في قصر الرصافة بقرطبة.. نظر إلى نخلة وحيدة جيء بها خصيصًا من الشام، فشعر أن شيئًا من روحه المغتربة يسكن في جذعها الأملس.. قال لها باكيًا: "نشأتِ بأرضٍ أنتِ فيها غريبةٌ.. مثلى أنا".

كانت النخلة بالنسبة إليه رمزًا للوطن، للهوية، للحنين الممتد من الفرات إلى الأندلس.. لكن "الداخل" لم يزرعها لكي تحجب عنه شمس قرطبة، بل لتذكره بمن تركهم وراءه.

اليوم، يبدو غريبا لأن هناك من يصر على أن يعيش حنين عبدالرحمن الداخل، ولكن في المكان الخطأ.. يزرعون النخيل في وسط الشوارع الإسفلتية الساخنة، تحت شمس الخليج والشرق الحارقة، وينتظرون منها أن تصنع معجزة.. أن تظلل المشاة والسيارات.. والنخلة كبرياء بطل للسماء – على عيني ورأسي-.. ولها جذع طويل مستقيم، وسعف يشير إلى السماء.. إنها تعطي هيبة، لكنها لا تعطي ظلًا.. ظل النخلة خط نحيل، مراوغ، يتحرك مع الشمس ولا يستقر عليه عابر سبيل.

ما معنى أن نمتلك ملايين النخلات في شوارع المدن، بينما يبحث المشاة عن كرتونة أو لافتة إعلانية ليستظلوا بها؟

ماذا حدث لعقولنا؟ العلم يقول إن النخلة تستهلك من المياه أضعاف ما تحتاجه شجرة برية مستدامة.. والبلح الساقط على الأسفلت يتعفن ويجذب الحشرات، بعد أن تشبع بعوادم السيارات وصار غير صالح حتى لطيور السماء.. إنه التناقض البشري في أبهى صوره: نتمسك بالشعار ونخسر المنفعة.. نحب الرمز ونموت من الحر الشديد.
النخلة مكانها المزارع لكي تنتج وتفيض علينا بالخير.. وليس مكانها الطرق لكي نستظل بها.

ولحسن الحظ، بدأت تجارب ونداءات كثيرة في دول الخليج جعلت المدن تستيقظ.. في مدينة "الخبر" بالمنطقة الشرقية بالسعودية، في الدوحة، في أبوظبي ودبي.. ثمة ثورة هادئة تحدث الآن.. ثورة ترفع شعار "أنسنة المدن".. بدأت الأمانات والبلديات هناك برحلة إحلال واسعة.. يطردون النخيل برفق من جزر الشوارع الوسطى، ويعيدونه إلى مكانه الطبيعي والإنتاجي: المزارع والحدائق التراثية.. وبديلًا عنه، يغرسون أشجارًا لها "تيجان" ممتدة.. لتقلل درجات الحرارة إلى نحو 5-10 درجات مئوية.

ووضعوا للاختيار صندوقا مُصغرا لأربعة أنواع فقط لا يخرج منها اختيار النخيل.. شجرة "اللبخ أو الفيكوس" الكثيفة الخضرة ودائمة الإزهار طوال العام، التي تفترش الأرصفة كالمظلات.. وشجرة "الغاف" التي تقهر الجفاف وتصنع أنفاقًا باردة.. و"شجرة النيم" التي تطرد الحشرات وتلطف الهواء.. و"شجرة السدر" البلدي.. هذه الأنواع الأربعة من الأشجار تخفض حرارة السطح والأسفلت بنحو خمس إلى عشر درجات مئوية.. تمتص الكربون، وتحجز الغبار، وتكتفي بالقليل من الماء.

أكبر دليل ما أقوله هما مكانان في القاهرة لا يفصل بينهما 100 متر.. بالتحديد في الجزء الواقع بين المتحف المصري وفندق هيلتون رمسيس.. والمكان الثاني أمام مبنى ماسبيرو.. أحدهما فاصل الطرق مزروع بالنخيل.. والآخر مزروع بشجر الفيكوس.. أحدهما يستظل منه في الحر ثلاثة أفراد.. والآخر يسع حشدا كبيرا من المسافرين المنتظرين لسيارات الأجرة.

هناك شجرة مبهرة أمام مبنى ماسبيرو ظلالها يمتد من المبنى إلى النيل.. يا جمالها!!

ولأن المدن ليست مجرد غابات من الأسمنت وأعمدة الإنارة.. المدن كائنات حية، إذا لم تجد ما يظلها، جفت فيها روح الحياة.. وإن كنت لا أقسي على المجالس المحلية في القاهرة وغيرها من المدن لأن هناك عشرات من الطرق فيها أشجار وافرة الأوراق وكثيفة الظل وليست كلها نخيل.. ولكن للأمانة هناك آلاف من الطرق خاصة الصحراوية.. لا يوجد فيها إلا نخيل فقط.

فلنترك النخيل في أرضه ومصنعه يثمر تمرًا للآكلين والمصدرين.. ولنزرع في شوارعنا أشجارًا تحنو على رؤوسنا المنهكة من لهيب الصيف.. أم يعتقد البعض أنه عبدالرحمن الداخل ويصر على زرع النخيل الذي بلا ظل ويطرد الشجر.. لحنين خاص في عقله وقلبه.

كلمات البحث
الأكثر قراءة