المقهى الثقافى

أحمد فضل شبلول يكتب لـ"بوابة الأهرام": تجربتي الرقمية

22-12-2014 | 22:18

أحمد فضل شبلول

بدأتْ حياتي الرقمية بكراهية شديدة لجهاز الكمبيوتر، الذي شاعت بعض مفرداته في السبعينيات والثمانينيات في القرن الماضي، بعد أن كان الأمر متوقفا عند المتخصصين النادرين.


وفي سنة من هذه السنوات تقدمت لخطبة إحدى الفتيات، وبعد أن تمت الخطبة تقدمت هي للاشتراك في إحدى دورات الكمبيوتر وكانت الدورة تشغل جل وقتها، ولم أجد وقتا لديَّ عندها سوى القليل، فنبهتها لذلك فأوحت إلي بأن دراسة الكمبيوتر هو مستقبلها، ووصل العند بنا إلى أن خيرتها بيني وبين الكمبيوتر، فاختارت الكمبيوتر، وانفصلنا.

ويبدو أنها كانت أبعد مني نظرا في ذلك، لأنني عندما التحقت للعمل محررا بإحدى الشركات الإعلامية السعودية عام 1987 كان من شروط التقدم للوظيفة إجادة التعامل مع جهاز الكمبيوتر، وعلى الرغم من ذلك حصلت على الوظيفة مع وعد بأن ألتحق بدورة كمبيوتر، وهناك التحقت بأول دورة كمبيوتر في حياتي، وكانت بمثابة التحدي، فحرصت على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من تلك الدورة لأعدل بها مسيرة حياتي الوظيفية وأستفيد منها في حياتي الأدبية.

وتدربت على برامج الدوس التي كانت شائعة في ذلك الوقت قبل أن تنتشر بعد ذلك برامج النوافذ (أو ويندوز) التي بدأتُها من ويندوز 3 ثم ويندوز 3.11 الى آخر هذه البرامج التي تتطور وتترقّى دائما.

وفي حقيقة الأمر أفدت كثيرا من تلك الدورة التي حصلت عليها في مدينة الرياض، بخاصة بعد أن تفوقت على زملائي الدارسين ومعظمهم كان شبابا أصغر مني في السن.

كما ساعدتني شركة الدائرة للإعلام التي عملت بها، بأن تحملت تكاليف الدورة وساعة من ساعتيّ الحصة على أن أتحمل أنا الساعة الأخرى من وقتي قبل الذهاب إلى الدوام اليومي الثاني (حيث كنت أعمل فترتين).

وكما يقال في المثل الشعبي (ما محبة إلا بعد عداوة) أحببت جهاز الكمبيوتر الشخصي، بالمقدار نفسه الذي أحبَّته خطيبتي السابقة وفضلته علي، وربما أكثر، ويدل على هذا القصائد التي كتبتها في الكمبيوتر بعد ذلك ومنها "قصيدة عتاب إلى سوالب الأسلاك" التي أعاتب فيها الكمبيوتر في لحظة معينة من علاقتي به قائلا:
الكمبيوتر الصديقُ خانني ..
لأنني ..
لم أعْطِهِ الإشارة
ولم أُبَدِّل الحروفَ بالأرقام
ولم أُبرمج المشاعر
وأطلق الأوامر
***
الكمبيوترُ الذي ..
علَّمتُهُ الحنان والأمانَ
خانني
لأنني ..
أدخلتُ في اللغاتِ والشرائح الممغنطة
عواطفَ الأزهارِ ، والأشجارِ ، والأنهارْ
وقصَّةَ العيون ساعة السَّحَر
ورقْصةَ الأغصانِ والأحلامِ والمطر
أَدْخَلْتُ ..
وَاسْتَرْجَعْتُ بسمةَ العيون
إشراقةَ الجبين
تكبيرةَ الحنين
نداءَ هذه البحار
الكمبيوترُ المحار
عَلَّمْتُهُ الأسرار
فخانني ..
ولم يعد يحار
***
الكمبيوترُ الصديق!
آهٍ من الحديد عندما يخون
آهٍ من الأزرارِ واللوحاتِ والأرقام
أطلقتُ في السوالبِ الهامدة
شعاعَ كهرباءْ
علمتها البكاءْ
علمتها الفرح
رافقتها للبحرِ والرمالِ والضياء
جعلتها..
تصادِقُ النوارسَ المهاجرة
وتطلقُ العنانَ للأفكار
تحبُّ وقتما تريدْ ..
وتلعب ..
تكَهْرِبُ القلوبَ وقتما تشاءْ ..
وتذهب ..
تحاور العقولَ والأشياءْ ..
وتغضب
منحتُها السرورَ والغضب
منحتُها اللعب
وهبتُها الذكريات
سألتُها ..
تخزينَ كلَّ لحظةٍ ..
تمرُّ بالشموسِ والنفوس
تسجيلَ أجملَ الثواني
وأفخمَ المعاني
وأروعَ الأغاني
فَعَاتبتْ
سوالبُ الأسلاكِ عاتبتْ
تراجعتْ ..
وأصبحتْ حديدا
(آهٍ من الحديد عندما يخون)
تَبَرْمَجَتْ ..
تحَّولتْ جليدا
ولم تزلْ ..
تحنُّ للقصديرِ ،
والنحاسِ ،
والمَطَّاطْ
ولم تزلْ ..
تحطُّ من مشاعر الإنسان
وتطردُ النوارسَ المهاجرة
عن شاطئِ الأحلام.

وقد قامت الدكتورة شهاب غانم (من الإمارات) بترجمة تلك القصيدة إلى الإنجليزية، كما اختار الناقد الدكتور عبدالقادر القط تلك القصيدة في كتابه المهم "مختارات من الشعر العربي في القرن العشرين" الصادر عن مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، كنموذج لقصائد نهاية القرن.

وهناك قصائد أخرى كتبتها عن تجربتي مع عالم الكمبيوتر، نشر أغلبها في ديواني "تغريد الطائر الآلي" مثل:
دخل الشاعرُ صندوقَ الحاسوبِ
وقال: افـتـحْ خاناتِ الأسرارْ
واجمعْ كلَّ بناتِ البحرِ الهدَّارْ
وتحسَّسْ أنباءَ القلبِ المبحرِ في الظلماتْ
فعدوِّي الآن يقاتلني بالمعلومات

وفي قصيدة أخرى أقول:
أقيموا من صدوِرِكُمُو
مطايا للحواسيبِ
فإني يا بني أُمِّي
أخافُ عليكمُ
الجُهَلاءَ ،
والدهرا.

ومرت السنون الأولى على تجرتبي في التعامل مع الكمبيوتر في أغراض العمل وأغراض صف كتاباتي الأدبية والصحفية على شاشته وتخزينها ومتابعة كل جديد في هذا الشأن من خلال المجلات والجرائد المهتمة بالتطور التكنولوجي، وبدأت أنقل تلك التجربة نظريا وعمليا إلى أصدقائي من الأدباء والمثقفين، وكان الصديق الشاعر الراحل الدكتور حسين علي محمد هو أهم المستفيدين في هذا المجال لدرجة أنني عندما قررت شراء جهاز كمبيوتر جديد بمواصفات أعلى وأحدث، حصل هو على جهازي القديم الذي تدرّب عليه لشعوره بألفة معه.

وفي عام 1995 تبدأ مرحلة تعرفي على شبكة الإنترنت، حيث بدأت تلك الكلمة السحرية تغزو أسماعنا وعالمنا، فقررت التعامل مع تلك الشبكة، وكنت وقتها لا أزال أعمل في الرياض، حيث التحقت بإدارة المطابع والنشر العلمي بجامعة الملك سعود، وانتظمت في حضور ندوات وجلسات النادي الأدبي بالرياض كل يوم إثنين.

بدأت أقرأ عن تلك الشبكة السحرية وإمكاناتها الهائلة، وعند كل قراءة عنها اسبح بخيالي في محاولة لتطويع أو إخضاع ما اقرأه لعالم الأدب، ثم أجرب ذلك في مواقع عربية عدة على شبكة الإنترنت، وكان عددها ضئيلا في ذلك الوقت، وكانت حصيلة ذلك عدة مقالات جمعتها في كتابي الأول في هذا المجال "أدباء الإنترنت .. أدباء المستقبل" الذي صدر أوائل عام 1997 عن دار المعراج الدولية بالرياض، (ثم صدرت منه بعد ذلك طبعتان في مصر، وكان ضمن قوائم مدارس التربية والتعليم لسنوات عدة).

واشتمل هذا الكتاب على فصول بعنوان: أدباؤنا والإنترنت، ديمقراطية المعرفة في زمن المعلوماتية، كيف أتصل بشبكة الإنترنت؟ مجلات أدبية إلكترونية، كيف يمكن لنجيب محفوظ أن يدخل شبكة الإنترنت؟ أدباؤنا والبريد الإلكتروني، الأدب الرديء والسرقات الأدبية، الاحتفاظ بالأعمال الأدبية المهمة، حلقات النقاش وعلاقتها بالأدب، زيارة إلى المكتبات العالمية، منظومة النص المحوري المرجعي، زيارة إلى البرامج الإسلامية على الإنترنت، التخلص من فيض المعلومات، ملامح النقد الأدبي الإلكتروني، المعجمية العربية والمعاجم الإلكترونية، وحاسب آلي يكتشف لحظات الإبداع قبل حدوثها، الشعر والمنجز الآلي والإلكتروني، فيروس الشعر، اعتزال الترجمة، وغيرها من الفصول.

كانت مجلة "الوطن العربي" التي تصدر في باريس في ذلك الوقت تتابع ما يصدر من كتب في الوطن العربي، وأفاجأ في أبريل 1997 أنها تختار ذلك الكتاب واحدا من أفضل الكتب العربية التي صدرت خلال هذا الشهر.

غير أن عوالم الكمبيوتر والإنترنت لا تتوقف عند حد معين، فبعد شهور قليلة تصبح مقالات هذا الكتاب من الإرث الماضي، وأعود إلى الإسكندرية عام 1998 لأتابع التطورات التكنولوجية، وأفكر في كيفية استفادة أدب الأطفال من هذا الوافد الجديد على عالمنا المسمى "شبكة الإنترنت" فتكون مقالات ودراسات الكتاب الثاني في هذا المجال "تكنولوجيا أدب الأطفال" الذي شاركتُ به في مسابقة لجنة الدراسات الأدبية والنقدية بالمجلس الأعلى للثقافة عام 1998 ففاز بالمركز الأول.

وفيه أتحدث عن مصطلح الثقافة الرقمية، والقصص الإلكترونية للأطفال، مثل القرد والغيلم المأخوذة من كتاب "كليلة ودمنة"، وقصة الطاووس المغرور، كما تحدثت عن التعليم الإلكتروني والمكتبات الإلكترونية والصحافة الإلكترونية للأطفال، والألعاب الإلكترونية، ومقاهي الإنترنت، والمسابقات الإلكترونية، وغيرها من الموضوعات الجديدة في عالم ثقافة الأطفال.

ثم جاء بعد ذلك كتاب "ثورة النشر الإلكتروني" وكتاب "أدب الأطفال بين الشعرية والرقمية"، إلى جانب مشاركاتي في بعض الندوات والمؤتمرات المتعلقة بهذا الجانب في عدد من الدول العربية مثل تونس والسعودية والإمارات في دبي والشارقة.

وهكذا تسير بي الحياة الإلكترونية أو الرقمية، إلى أن التقيت مع مجموعة من الأدباء والمثقفين المصريين والعرب المؤمنين بتلك الحياة وضرورة التفاعل معها أكثر أدبيا وثقافيا، فقمنا بتأسيس اتحاد كتاب الإنترنت العرب" عام 2005، واخترنا الكاتب الأردني محمد سناجلة رئيسا لهذا الاتحاد، وتم اختياري نائبا لرئيس الاتحاد ومقره حاليا العاصمة الأردنية عمَّان، وهناك فروع له في المغرب وتونس ومصر وفلسطين.

ولا شك في أن وجودي على ساحة الإنترنت أتاح لي تكوين صداقات أدبية وإنسانية كثيرة داخل مصر وخارجها، افتراضية وحقيقية، وأتاح لي فرص نشر لا نهائية في الكثير من المواقع والمنتديات والمدونات والصحف الإلكترونية، وأتاح لبعض قصائدي ومقالاتي أن تترجم إلى لغات عدة، كما أتاح لي هذا الحضور فرص عمل جيدة مثل فرصة العمل بالقسم الثقافي في "ميدل إيست أونلاين" والإشراف على مواقع مؤسساتية مثل الموقع الإلكتروني لمؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري.

وأيضا المساهمة في تأسيس موقع اتحاد كتاب مصر على شبكة الإنترنت، عندما شرفت برئاسة لجنة الإنترنت في الاتحاد، التي لم يكن لها وجود قبل انتخابي عضوا في مجلس إدارة الاتحاد عام 2001 على ما أتذكر.

وأنا أعتقد أن تجربة عملي في موقع "ميدل إيست أونلاين" تجربة مهمة في حياتي الشخصية، حيث كنت أتطلع دائما إلى العمل في إحدى الجرائد والمجلات الثقافية، ولكن وجودي الدائم في مدينة الإسكندرية لم يتح لي تلك الفرصة اللهم إلا من خلال المجلات التي يصدرها فرع ثقافة الإسكندرية أو إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي مثل مجلة "الكلمة المعاصرة" ولكنها في النهاية مجلات موسمية، ليست لها صفة الانتظام أو الاستمرار، وقد توقفت بالفعل مثل هذه المجلات الآن.

الفرصة التي لاحت لي للعمل في مجلة "المحيط الثقافي" بالقاهرة مع الدكتور فتحي عبدالفتاح لم أعرف كيفية استثمارها أيضا لإقامتي في الاسكندرية، ولكن ربما انتقالي للعمل بعد ذلك في مجلة "العربي" بالكويت قد عوض لي شيئا من ذلك، حيث دخلت معترك المطبخ الثقافي لإحدى كبريات المجلات الثقافية العربية، وانتقلت منها ـ بعد خروجي على المعاش ـ للعمل في إحدى القنوات الفضائية بالكويت، وقد اعتمدت في تحرير بعض المواد التليفزيونية على شبكة الانترنت أيضا وخاصة من خلال استثمار موقع جوجل صور، ومواقع الموسوعات والمواقع غير المشكوك في صحة معلوماتها.

وأعود الى تجربتي في "ميدل إيست أونلاين" حيث أقوم بقراءة المواد وتحريرها ونشرها من أي مكان في العالم، وفي أثناء سفرياتي، بل وفي المطارات أحيانا، بخاصة أن معظم المطارات الآن مزودة بخدمة الإنترنت أو (واي فاي). هذا بطبيعة الحال لا يتاح للمجلات والصحف الورقية على الإطلاق.

وأخيرا دعونا نتأمل تلك العبارة التي كتبها د. بليغ حمدي إسماعيل الأستاذ بقسم المناهج وطرق التدريس بكلية التربية ـ جامعة المنيا حيث يقول: "الجيل الحالي تيقن بواقع الإنترنت وصار مريداً مطيعاً لشبكات التواصل الاجتماعي، رافضاً أية محاولة لجذبه نحو الورق وصناعه الذين أبدعوا وقدموا للحضارة صروحاً جديدة".

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة