إن الخير الذي يجلبه النيل أجل نفعًا من الذهب والفضة، وأغلى قدرًا من الجواهر، إن الناس لن تأكل الذهب وإن كان خالصًا، ولن تتغذى على الجواهر ولو كانت حرة نقية "نشيد النيل الفرعوني": "صدق أو لا تصدق يا من تقرأ هذه السطور! هكذا كانت قيمتي عند سكان مصر القدماء! هكذا تعامل معي منذ فجر التاريخ من أدركوا أن مياهي تمنح ما هو أغـلى من الذهب والفضة، فهي تمنح الحياة. أخبروني أستحلفكم بالله.. هل يعرف أحدكم أي مورد طبيعى آخر يمنح الحياة؟ هل يفعلها الذهب أو الفضة، هل يجرؤ أن يدعي ذلك البترول أو الماس أو الكوبالت؟ بالطبع لا.. إنها مياهي فقط.. هي صاحبة الحق الحصري في ذلك التميز وتلك الخصوصية".
ولما تحريت عن صحة حديثه ودقة مقولته، وجدت أن المصريين القدماء قد تعاملوا مع النيل بالفعل بشكل رائع لا مثيل له. وجدتهم وقد احترموه وحافظوا عليه، بل وقدسوه إلى أقصى درجة، وعرفت أن البرديات الفرعونية تحوى نصوصاً تؤكد أن المتوفى سوف يحاسب بعد أن يبعث أولاً وقبل أي شيء على مدى محافظته على نظافة النهر، ولابد أن يقسم على عدم تلويثه لمياهه.
ورأيت أيضاً كيف حاول المصريون القدماء استرضاء النهر بشتى الطرق، حتى لا يحرمهم من فيضـانه الذي يأتيهم كل عام حاملاً الخير والحياة للأرض والبشر. وعرفت أن أشهر الطرق التي شاع عن المصريين القدماء اتباعها لاسترضاء النهر وتجنب غضبه وتأخره عنهم، كما تشير الأدبيات القديمة، هي "عروس النيل". حيث كان يتم اختيار فتاة من أجمل الفتيات وتزيينها بأجمل الثياب والحلي وإلقائها في النيل لاسترضائه حتى يجري ويفيض بالخير، حتى جاء الإسلام إلى مصر وأبطل عمر بن الخطاب رضي الله عنه تلك العادة. وسواء وجدت رواية عروس النيل من يؤيدها ومن ينكرها، لكنني نظرت إليها في كل الأحوال باعتبارها مجرد تعبير عن مكانة النهر لديهم واستعدادهم للتضحية بأنفسهم في سبيل إرضائه.
من أشهر المقولات التي لابد أن تقابل أي باحث متخصص في شئون النهر العظيم، والتي ترسخت في وجدان العامة قبل الخاصة، مقولة المؤرخ هيرودوت عندما زار مصر عام 460 قبل الميلاد، حين قال إن "مصر هبة النيل"، وإنه لولا وجوده لكانت مصر مجرد امتداد للصحراء الجرداء. وهو قول لا شك في صحته فبدون النهر لكان اللون الأصفر على الخريطة يحمل إلينا -حين ننظر إليه- الخبر اليقين أننا نعيش في صحراء جرداء.
ولكن رغم ذلك، نعتقد من جانبنا أن صدق تلك المقولة لا يتناقض ولا ينفي ولا يجرؤ على تجاهل حقيقة مؤكدة، ألا وهي أنه لولا عزم أبناء مصر منذ أقدم العصور، ولولا وعيهم وإدراكهم لأهمية مياه النهر واعتبارها مسألة حياة أو موت بالنسبة لهم، ما أمكن تطوير النهر بجميع أشكال الحياة الموجودة حوله، لنشاهد أول مجتمع إنساني منظم في تاريخ البشرية وأولى حضارات الأنهار على الإطلاق.
لقد استطاع أبناء مصر ترويض ذلك المارد المنطلق من أقصى الجنوب بمنتهى العنفوان، واستغلوا مياهه في الزراعة لتقوم على ضفاف النهر العظيم أول حضارة إنسانية ظلت تبهر العالم حتى تلك اللحظة. والدليل على ذلك أن النهر يمر خلال العديد من الدول الأخرى، وحتى تلك اللحظة لم يتحقق لإحداها ما استطاع المصري قديماً وحديثاً تحقيقه.
وأدعو كل من يجادل في تلك الحقائق أن يسأل نفسه، أين حضارة تلك الدول؟ أين التقدم في الزراعة والصناعة الذي حققه المصريون على مر تاريخهم؟ وما الفارق بين النيل في مصر والنيل في باقي دول الحوض؟ إن الفارق الوحيد هو الإنسان المصري نفسه الذي أدرك قيمة هذا النهر العظيم، فوهبه عرقه وجهده عن طيب خاطر. لذلك لا أشك في أن هيرودوت لو رأى النظام الدقيق الذي برع المصريون فيه لتنظيم النهر وترويضه، لما تردد في تعديل مقولته لتكون "النيل هبة المصريين".