تجاوزت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات البيع المغلقة دورها كوسيط ترفيهي أو تجاري بسيط، لتتحول في الآونة الأخيرة إلى "صيدليات رصيف رقمية" تروج لمستحضرات العناية الطبية والعلاجية المهربة والمقلدة بعيداً عن أي رقابة صحية.
موضوعات مقترحة
وفي ظل السعي وراء مظهر مثالي والانسياق الأعمى خلف نصائح "البلوجرز" والمؤثرين، يقع قطاع عريض من المستهلكين—لا سيما النساء—في فخ شراء منتجات تجميلية وعلاجية فرنسية وعالمية شهيرة بأسعار تبدو مغرية مقارنة بالصيدليات الرسمية، لينتهي بهم المطاف داخل عيادات أطباء الجلدية لعلاج حروق كيميائية وتصبغات مزمنة تسببت فيها تلك المواد مجهولة المصدر، وهو ما يفتح ملفاً شائكاً يتطلب وقفة توعوية ورقابية حازمة لحماية الصحة العامة من هذا البيزنس غير المشروع.
كواليس مصانع "بئر السلم" وإغراء الخصومات
قالت الدكتورة دلال أحمد مسعد، استشارى الأمراض الجلدية والليزر، إن العيادات الطبية باتت تستقبل بشكل يومي حالات تعاني من تشوهات وإكزيما تلامسية حادة نتيجة استخدام مستحضرات عناية بالبشرة (Cosmeceuticals) تم شراؤها عبر صفحات ومجموعات مجهولة على الإنترنت. وأضافت أن المحتالين وقراصنة الأسواق يقومون بتقليد العبوات الخارجية لأشهر الماركات الفرنسية والطبية بدقة متناهية يصعب على المواطن العادي اكتشافها، بينما المحتوى الداخلي يعتمد على تركيبات كيميائية رخيصة ومواد حافظة محظورة دولياً يتم خلطها في مصانع بئر سلم غير مرخصة تفتقر لأدنى اشتراطات التعقيم والنظافة.
فخ المواد الفعالة والمكونات السامة
واستطردت دلال مسعد موضحة أن الخطورة الكبرى تكمن في المنتجات التي تحتوي على مواد فاعلة قوية مثل "الريتينول"، "فيتامين سي"، أو أحماض التقشير، مشيرة إلى أن هذه المواد تتطلب نسباً دقيقة جداً وظروف تعبئة خاصة لحمايتها من الأكسدة، وحين يتم تصنيعها بشكل عشوائي ومغشوش، تتحول فوراً إلى مركبات سامة تؤدي إلى سلخ طبقات الجلد السطحية وإحداث حروق قد تترك ندبات دائمة. وأكدت أن المستهلك ينساق وراء شعارات "مستورد من الخارج" أو "تصفية مخازن" لشراء المنتج بنصف سعره الحقيقي، دون أن يدرك أن الفارق في السعر يدفعه لاحقاً أضعافاً مضاعفة في رحلة علاج طبي شاقة ومكلفة لترميم حاجز البشرة المتضرر.
حيل التهرب الرقمي وكود "التشغيلة" الدولي
ولفت خبير تصنيع مستحضرات العناية الطبية إلى أن تجار هذه الصفحات يعتمدون على حيل ذكية للتهرب من المساءلة القانونية، من بينها تغيير أسماء الصفحات بصفة دورية، والاعتماد على خدمات شحن خارجية لا تطلب هوية واضحة للمرسل، مما يجعل تتبعهم من قبل الأجهزة الرقابية أمراً معقداً. وأشار إلى أن التوعية الاستهلاكية هي خط الدفاع الأول في هذه المعركة، مؤكداً أن كل منتج طبي عالمي موثوق يحمل كوداً خاصاً محفوراً على العبوة يسمى "كود التشغيلة" (Batch Code)، ويمكن للمستهلك بكل بساطة الدخول إلى المواقع العالمية المعتمدة للتحقق من تاريخ إنتاج هذه الشحنة وصلاحيتها ومدى مطابقتها للعبوة الأصلية قبل فتحها أو استخدامها.
مخاطر سوء التخزين وسلاسل التوريد العشوائية
وأشارت إلى أن شراء هذه المستحضرات يجب أن يقتصر تماماً على الصيدليات الكبرى المعتمدة أو الوكلاء الرسميين لضمان سلامة سلسلة التوريد والتخزين، لافتاً إلى أن مستحضرات العناية الطبية تتأثر بشدة بدرجات الحرارة والرطوبة العالية، موضحاً أن المنتجات الأصلية حتى وإن كانت سليمة، فإن تخزينها في أماكن غير مبردة أو نقلها في ظروف سيئة بواسطة تجار الشنطة والصفحات الإلكترونية، يؤدي إلى تحلل مكوناتها الفعالة وفقدانها لخواصها العلاجية، مما يجعلها بيئة خصبة لنمو البكتيريا والفطريات التي تنتقل مباشرة إلى مسام البشرة عند الاستخدام.
خوارزميات الترويج الخادع والتقييمات المزيفة
وحذرت، من خطورة التفاعل مع الإعلانات الممولة للمنتجات العلاجية والتجميلية على منصات التواصل الاجتماعي دون التثبت من ترخيص الجهة العارضة من قبل وزارة الصحة وهيئة الدواء.، موضحة أن خوارزميات السوشيال ميديا تستهدف المستهلكين بناءً على اهتماماتهم البحثية، فبمجرد بحث السيدة عن حل لمشكلة البشرة، تحاصرها مئات الإعلانات لصفحات مجهولة تدعي امتلاك "الخلطة السحرية" أو المنتج المستورد النادر لعلاج المشكلة في أيام معدودة، وهو ما يعد خداعاً تجارياً يعاقب عليه القانون بصرامة قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
الملاحقة القانونية ودور حماية المستهلك
واستكمل سرد الأبعاد القانونية محذراً السير وراء "الريفيوهات" والتقييمات الوهمية (Fake Reviews) التي تمتلئ بها هذه الصفحات، حيث يقوم أصحاب تلك التجارة غير المشروعة بشراء تعليقات وحسابات وهمية لإقناع الضحية بجودة المنتج وأمانه. ولفت إلى أن قانون حماية المستهلك يمنع بيع أو تداول أي منتج طبي أو تجميلي دون الحصول على ترخيص تداول ومطابقة للمواصفات القياسية، داعياً كل من يقع ضحية لهذه الصفحات إلى عدم التردد في إبلاغ جهاز حماية المستهلك وتقديم الفواتير أو الرسائل المتبادلة لغلق هذه المنصات وملاحقة أصحابها جنائياً بتهمة إدارة منشأة طبية بدون ترخيص وتداول مواد مغشوشة تضر بصحة المواطنين.
مؤشرات ظاهرية لكشف العبوات المقلدة
وفي سياق متصل، حدد خبراء العناية بالبشرة مجموعة من العلامات والمؤشرات الظاهرية التي يمكن من خلالها للمستهلك الذكي كشف المنتجات المقلدة قبل الوقوع في الفخ. ونصح بضرورة التدقيق في جودة الطباعة والأخطاء الإملائية في كتابة المكونات على العبوة الخارجية، حيث تعاني المنتجات المقلدة دائماً من رداءة الخطوط أو تداخل الألوان أو غياب شعارات العلامة المائية البارزة التي تضعها الشركات العالمية لحماية منتجاتها من القرصنة والتلاعب.
السعر الزهيد كعلامة غش تجاري
وأضاف أن الفارق الشاسع في السعر يعد المؤشر الأبرز على وجود شبهة غش، إذ لا يمكن لمنتج فرنسي علاجي مستورد أن يباع بربع قيمته السائدة في السوق بحجة الخصومات، لكون تكلفة إنتاجه وشحنه تخضع لمعايير ثابتة. وأكد في ختام حديثه أن الحفاظ على صحة البشرة يبدأ من استشارة الطبيب المختص وتلقي العلاج من مصادره الشرعية، لأن محاولة توفير بضع مئات من الجنيهات في شراء مستحضر مجهول من "صيدلية الرصيف الإلكتروني"، قد تكلف الشخص مبالغ طائلة وسنوات من المعاناة لمحاولة إصلاح ما أفسده الغش التجاري في ملامح وجهه.
خطة الإنقاذ والتعامل مع حروق المستحضرات
واستكملت الدكتورة دلال أحمد مسعد، تقديم الإرشادات الطبية العاجلة، محددة خريطة إسعافات أولية صارمة يجب على السيدة اتباعها فوراً إذا ما شعرت بحرقان، احمرار مفاجئ، أو حكة شديدة عقب تطبيق أي مستحضر مجهول المصدر على بشرتها. ونصحت بضرورة غسل الوجه فوراً بكميات وفيرة من الماء الجاري الفاتر لمدة لا تقل عن عشر دقائق لإزالة أي بقايا كيميائية عالقة بالمسام، محذرة بشكل قاطع من محاولة وضع أي خلطات طبيعية كالعسل أو الليمون أو معجون الأسنان ظناً أنها تهدئ التهيّج، لكونها تفاقم الحروق الكيميائية وتزيد من عمق التصبغات.
التدخل الطبي المبكر لحماية حاجز البشرة
وأضافت استشارى الأمراض الجلدية والليزر أن الخطوة التالية تكمن في تطبيق كريم مرطب طبي مهدئ ومخصص لترميم حاجز البشرة المتضرر، ويكون خالياً تماماً من العطور والكحول والمواد المقشرة، مع ضرورة الالتزام بالابتعاد الكامل عن أشعة الشمس المباشرة أو مصادر الحرارة داخل المنـزل كأفران الطهي لمنع تنشيط الخلايا الصبغية. وأكدت في الوقت ذاته على أهمية التوجه إلى العيادة الطبية المختصة فوراً إذا استمر الألم أو ظهرت بثور مائية صغيرة، لافتة إلى أن التدخل الطبي المبكر باستخدام العلاجات الدوائية الصحيحة يعد الفيصل الوحيد في إنقاذ البشرة وحمايتها من ترك ندبات حفرية أو بقع داكنة يصعب علاجها مستقبلاً.
موضوعات قد تهمك: