كم هو أمرٌ عسيرٌ أن يكتب المرء في لحظة الألم! خمس عشرة دقيقة فقط كانت تفصلنا عن الحلم؛ حلم الوصول إلى المجد؛ إلى قائمة الكبار الثماني في عالم كرة القدم.. لكن قدَّر الله وما شاء فعل.
خسر منتخب مصر أمام منتخب الأرجنتين في دور الـ16 من بطولة كأس العالم المقامة حاليًا بثلاثة أهداف، بعد أن كنا متقدمين حتى الدقيقة 79 من المباراة بهدفين. يا للغيظ! يا للحسرة!
لكن -أيضا- لأن الألم مُلهم فإن الحكمة تقودنا دومًا إلى الخروج من بئره السحيقة.. إلى تسلق الجدران في الظلام سعيًا إلى إبصار النور.. واستبصار الحال.. لمعرفة إجابة السؤال.. ماذا جرى؟!
ما جرى، رآه العالم أجمع وعلَّق عليه كبار المدربين والمحللين الأجانب، قبل المصريين، قالوا: «لقد تم سرقة النصر من منتخب مصر». لن نتحدث هنا بالتفصيل في كل قرار لمنظومة التحكيم؛ حكم الملعب وحكام غرفة مراجعة القرارات؛ الـ«فار»، لكن الأمر الواضح للكل هو الحسم السريع والإصرار في كل قرار كان يصدر ضد منتخب مصر، دون مراجعة، دون محاولة توخي العدالة ولو في الظاهر، بل بالعكس، كأن رسالة ما كان ينبغي أن تصل لنا!
الشك -والغضب أيضًا- من حقنا. لماذا لا نشك؟! وكيف؟! ففي اليوم السابق على المباراة تدخلت السياسة بصلف في مجريات اللعبة الرياضية.
ظهر الرئيس الأمريكي ليؤكد صحة ما أذاعته وكالة «رويترز» حول اتصاله برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم لطلب مراجعة قرار طرد نجم المنتخب الأمريكي «فولارين بالوغون» في مباراة البوسنة والهرسك حتى يتمكن اللاعب من المشاركة في مباراة فريقه التالية أمام بلجيكا، وهو ما حدث، تم إلغاء قرار الطرد!
لم يحاول «ترامب» النفي أو التهرب من السؤال، إنما قالها بكل وضوح وغرور. قال: «أفهم في الأمور الرياضية، والقرار كان مروعًا ومثيرًا للريبة، وكان سيتسبب في وصمة عار كبيرة، وقد طلبتُ مراجعة القرار فقط، فتم إلغاؤه».
والحقيقة أن «وصمة العار» قد حدثت بالفعل، من خلال تدخله ثم الاستجابة له، لكن لا غرابة، إنه استمرار في «عصر فائض القوة الترامبية»، والمباهاة بكسر القواعد القانونية والأخلاقية. يحدث هذا في السياسة كل يوم، وها هو ينتقل إلى الملاعب الرياضية.. فهل أفسدت أمريكا كرة القدم لأنها أقامت بطولة كأس العالم على أرضها؟!
وبالعودة إلى الكرة؛ يبقى السؤال: ماذا جرى؟! ما جرى أننا بفعل قوة فريق الأرجنتين وهجماته المتتالية كان طبيعيًّا أن نقع في الأخطاء في الأمتار الأخيرة، فنحن لا نلعب وحدنا، إنما نواجه بطل العالم ولاعبه الأسطوري «ميسي» هداف البطولة حتى الآن.
ما جرى هو أن كل لاعبينا قدموا أقصى ما لديهم، كما يليق بالرجال، لم يبخلوا بجهد أو عرق، وأسالوا دموع «ميسي» سعادةً بالفوز بعد المباراة، كأنه لا يصدق النجاة من «كابوس المصريين»، الذي هدد بلاده بالخروج المبكر من البطولة حتى الدقيقة 84، أما مدربه فقد عجز عن الكلام، تلعثمت الحروف على لسانه في الملعب، ولم يصرح بشيء، فلا شيء يقال.
لا نقول كل ما سبق لمجرد إرضاء الذات، فقد كانت لدينا أخطاء، لكننا أيضًا أصبح لدينا منتخب لفت أنظار العالم واستحق الاحترام. ومن هنا تأتي البدايات. وشيئًا فشيئًا سنكتسب خبرة البطولات. سنتعلم الحفاظ على الفوز والثبات. المهم أننا بدأنا البداية الصحيحة، ويبقى أن نواصل الطريق.
لا شيء يأتي صدفة، ولا نجاح يتحقق بين يوم وليلة. منتخب المغرب الشقيق الذي وصل إلى نهائيات كأس العالم سبع مرات حقق أول صعود إلى الدور الثاني عام 1986، وبعد 36 عامًا نجح في الوصول إلى المربع الذهبي في النسخة السابقة من البطولة في قطر عام 2022. كل التمنيات للمغرب بالتوفيق أمام فرنسا في دور الثمانية في البطولة الحالية.
ونحن، مصر، حالت خمس عشرة دقيقة أحاطت بها الشكوك دون إدراك حلمنا في الصعود، لكننا حققنا الكثير. حطمنا أرقامًا هزيلة سابقة، وكسرنا حاجز الخوف والإحباط.
عرفنا بداية الطريق.. وضعنا أقدامنا عليها، دون منظومة كبرى دافعة، أو خطة محكمة منذ سنوات، إنما هي فقط منظومة حسام حسن ورجاله في المنتخب، أقاموها جميعًا بجهد فردي فحسب، فبدت كجزيرة منيرة تبعث على الأمل، وتضيء المستقبل، وما يبقى فقط هو الدروس؛ دروسٌ للكل، واجبة الفهم، مما سنتعرض له في مقالات مقبلة بالتفصيل.
أخيرًا.. يبقى أن أقول: إنني قبل 8 سنوات، يوم 26 يونيو 2018 بالتحديد، كتبتُ على صفحتي في فيسبوك ما يلي: «في العادة، اليوم التالي للألم يكون أكثر إيلامًا».. وهو ما أشعر به اليوم تمامًا.. غارقٌ أنا في الألم، ومعي أغلب المصريين، لكن...
الآن أتذكر.. كتبتُ يومها هذه الكلمات في اليوم التالي لمباراة المنتخب المصري أمام نظيره السعودي في بطولة كأس العالم في روسيا، بعد أن خسرنا كل مبارياتنا، وخرجنا صفر اليدين!
أما اليوم؛ فالفارق كبير، حققنا ما لم نكن نحلم به، وما كان في عداد المستحيل، لذا فإننا برغم الحزن، برغم الغبن، برغم الألم والغضب بعد الخروج؛ راضون، واثقون، قادرون على الحلم بالمستقبل.
اليوم.. نقف في ثبات، نهتف من القلب لرجال المنتخب، نصفق لهم، نفخر بهم، نتطلع إليهم، ونبتسم.. بعيون سعيدة.. مسكونة بالدموع.. في اليوم التالي للألم!!