أحلام "الإعلام" من 50 عامًا

7-7-2026 | 15:07

يتجدد الحديث عن أول كلية للإعلام المحلي والإقليمي، تنطلق من مصر منذ نصف قرن تقريبًا؛ وهي "كلية الإعلام بجامعة القاهرة"، بدأت عام 1971، معهدًا للإعلام، ثم تحولت إلى كلية بعد ثلاث سنوات، والمناسبة هي شئون الإعلام وأحواله غير المستقرة لأسباب داخل المهنة وخارجها، بالإضافة إلى مرور 50 عامًا على تخريج الدفعة الثانية للكلية عام 1976، قريبًا، بعد عام من مناسبة الاحتفال بـ الدفعة الأولى للكلية دفعة 1975.

لماذا كل هذا التركيز والاهتمام بالدفعتين، بعد أن احتفلا بخريجي الدفعة الأولى العام الماضي، واليوم تكرم رواد الدفعة الثانية وخريجيها، بمناسبة "اليوبيل الذهبي 1976-2026"، هذا الاهتمام له أسبابه، فقد بدأت فكرة تدريس الإعلام بجامعة القاهرة، بمعهد الإعلام في بدايات التأسيس، وكانت البداية للدفعة الأولى "1975"، ثم الدفعة الثانية "1976"، حيث شكَلا ركيزتين لتأسيس كلية عربية إقليمية للإعلام.

فقد اهتم المؤسسون، بطلاب الإعلام وضرورة فرزهم وإعدادهم جيدًا باعتبارهم قادة الرأي والمؤثرين في نشر الوعي وبناء الوجدان، فهم الحاملون شعلة المعرفة، فتم تخصيص منفذ خاص، بعيدًا عن التنسيق، وحددوا 150 طالبًا وطالبة للقبول من القسم الأدبي و150 للعلمي، بحد أدنى للمجموع بالثانوية العامة 65%، حيث تقدم حوالي 1300 طالب وطالبة.

تم وضع نوعين من الاختبارات، منها اختبار تحريري مدته 3 ساعات حول المعارف والمعلومات العامة ومدى ثقافة المتقدم، خصصت له لجنة الامتحان، وكأنها لجنة في نهاية عام جامعي، بعد الامتحان، وإعلان أسماء الناجحين، تم إجراء اختبار آخر للقدرات الشخصية والذاتية، حيث الأولوية للقبول تتركز في التميز والإبداع، وارتفاع درجة الوعي والمعرفة، وحسن المظهر، وبعد هذا الاختبار، تم تحديد موعد الاختبار الشخصي وأسلوب التفكير عبر مقابلات شخصية تمت بعناية فائقة، حيث تقدم 1300 طالب وطالبة، تم تصفية هؤلاء بعد الاختبارات التحريرية والمقابلات إلى 300 طالب للدفعة الواحدة كل عام، أي اختيار نسبة 23% من أعداد المتقدمين.

ولعدم توافر مبنى للكلية الجديدة، بدأت الدراسة بكلية الحقوق، ثم معهد الإحصاء، قبل أن تستقر الدراسة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ثم أنشأت الجامعة مقرًا متخصصًا للإعلام، وهذا النمط من اختيار الطلاب المتقدمين للكلية لم يتكرر بعد الدفعتين، وتم ضم "الكلية" إلى مكتب التنسيق، ليصبح القبول طبقًا لدرجات الطلاب، كما يحددها مكتب التنسيق كل عام.

هكذا كان الاهتمام بدور كلية ومنهج للإعلام، وهكذا كان يرى المؤسسون منذ 50 عامًا، وهكذا كانت البدايات، ومن حق الكلية أن تحتفي وتكرم هاتين الدفعتين، ولعل المناسبة فرصة للتأمل في مدخلات الوضع الحالي للإعلام وحال وسائله.

ساد، أيام الدفعتين "أوائل السبعينيات"، العديد من القيم الإنسانية والمبادئ الإيجابية الواضحة، واليوم في عصر الشك والاستقطاب والمعلومات المضللة تحت مظلة شبكة المعلومات الدولية "الإنترنت"، ومعها الإعلام الحديث، ومواقع التواصل الاجتماعي والتي أثرت بدورها على السلوك النفسي والسياسي والاقتصادي والتجاري، ليتحول جوهر الرسالة الإعلامية، من نقل المعرفة ونشر الوعي، إلى أداة تسويقية وسلعة هدفها الأكبر الربح، وأهداف أخرى لا تضع للاعتبار الإنساني حسابًا، ليصبح الغموض سائدًا، والتشويش والتلوث يكاد يلف كل شيء.

لن نتساءل عما إذا كان الإعلام ما زال يدعم مهمته في خدمة الصالح العام وإتاحة المعلومات والمعرفة للناس، فالإجابة يعرفها الجميع، ويبدو أننا في حاجة إلى إعادة تعريف معنى ومهمة "الإعلام"، الهادف لنيل ثقة المواطن.

في طليعة الأساتذة المؤسسين للكلية كان د. إبراهيم إمام العميد المؤسس لمعهد الإعلام، والكاتب جلال الدين الحمامصي، ود. عبدالملك عودة، الذي تولَّى عمادة الكلية مرتين، ود. حامد ربيع أستاذ العلوم السلوكية، والأستاذ كمال عبدالرؤوف مادة الترجمة الصحفية، ود. جيهان رشتي أستاذة الإعلام الحديث، ود. جمال الدين العطيفي وزير الإعلام الأسبق، وأحد أبرز مؤسسي الكلية، المعني بالتشريعات وحرية الصحافة، نعم كانت هناك مادة تدرَس للطلاب حول مفهوم ودور حرية الصحافة، ومدى معالجتها لحق المواطن الدستوري في المعرفة والحصول على المعلومات، بدأت في الكلية في أوائل السبعينيات، فأين هي حرية الصحافة حاليًا على أرض الواقع؟

مع هؤلاء المؤسسين، الرواد، في مقدمتهم د. عواطف عبدالرحمن أستاذة وعميدة الصحافة، ود.سمير حسين عميد الكلية الأسبق، ود. علي عجوة عميد الكلية الأسبق، ويتواصل العطاء من المؤسسين إلى الرواد الأوائل وفي الصدارة د. ليلى عبدالمجيد عميدة الكلية الأسبق، أحد رموز الدفعة الثانية.

البداية لا بد أن تكون بالاختيار وفرزًا لكل من يشرف بالعمل الإعلامي، وكأنه سفير أو رسول أو ولي أمر مؤتمن على الرسالة الإعلامية، مؤكد أنه لا يوجد نشاط إنساني كامل، فلا يوجد إعلام نزيه تمامًا، نعم، إلا أن هناك قواسم مشتركة وطنية وإنسانية، ومسار تتوافق عليه الأغلبية، كما يحدث اليوم في قضية القضايا العربية والدولية "فلسطين".

والحديث عن سوق العمل وجودة مخرجاته، لن تتم في غياب "مبادئ الحوكمة"، المعنية بالشفافية، والمساءلة، وتداول السلطة، في كافة كيانات العمل الإعلامي، بدءًا من نقابة الصحفيين، والمؤسسات الصحفية والإعلامية، مرورًا بالمواقع الرقمية، مع ضرورة التفاعل مع التقنيات الحديثة.

والحديث عن ضبط الإعلام لا بد أن يكون له الأولوية؛ لأن هذا الضبط يترتب عليه العلاج والحلول لغالبية التحديات التي تواجهنا اليوم وغدًا، فهل نبدأ؟

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: