لم يعد السؤال الجوهري الذي يواجه الشرق الأوسط اليوم هو كيفية إنهاء الحروب فحسب، بل كيفية منع اندلاع حروب جديدة؛ فقد كشفت الحرب في غزة، والمواجهة بين إسرائيل وإيران، وتصاعد التوترات عبر البحر الأحمر وشرق المتوسط، حقيقة مُرّة: النظام الأمني الإقليمي، الذي شكّل الشرق الأوسط لعقود، لم يعد قادرًا على تحقيق استقرار دائم.
في الوقت نفسه، تبدو القوى الكبرى التي هيمنت تقليديًا على الأمن الإقليمي عاجزة بشكل متزايد -أو في بعض الحالات غير راغبة- في تقديم حلول مستدامة.
في هذا السياق، تستحق تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الأخيرة اهتمامًا يتجاوز سياقها السياسي المباشر. فبدلًا من تقديم رد فعل دبلوماسي آخر على الأزمات الجارية، طرح فيدان رؤية إستراتيجية أوسع نطاقًا تقوم على مبدأ بسيط ولكنه جوهري: ينبغي لدول المنطقة أن تتحمل المسئولية الأساسية عن إدارة أمنها بدلًا من الاعتماد، إلى أجل غير مسمى، على قوى خارجية.
وكما قال فيدان: "إن وحدة تركيا ومصر والسعودية وباكستان حول هدف مشترك، والعمل معًا لحل المشكلات، وتوسيع التعاون، وتعزيز استقرار إقليمي أكبر، أمر بالغ الأهمية".
وتعكس هذه التصريحات إدراكًا متزايدًا في المنطقة بأن الشرق الأوسط قد يكون على أعتاب مرحلة تاريخية من التحول الجيوسياسي، مرحلة يُتوقع فيها من القوى الإقليمية بشكل متزايد أن تُشكّل بيئتها الإستراتيجية بنفسها.
يثير هذا تساؤلًا مهمًا: هل تمتلك هذه الدول الأربع الإرادة السياسية والقدرات الإستراتيجية والتماسك الدبلوماسي اللازم لتصبح نواة لهيكل أمني إقليمي جديد؟
من منظور إستراتيجي بحت، تبدو الإجابة مشجعة. تُشكّل هذه الدول الأربع مجتمعةً حزامًا جيوسياسيًا يمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى جنوب آسيا. تضمّ هذه الدول مئات الملايين من السكان، وتمتلك قدرات عسكرية كبيرة، وتُشرف على طرق بحرية حيوية، وتؤثر في شبكات الطاقة والتجارة العالمية. نظريًا، قلّما تمتلك تكتلات إقليمية أخرى ثقلًا إستراتيجيًا مماثلًا.
مع ذلك، يُثبت التاريخ مرارًا وتكرارًا أن الإمكانات الجيوسياسية وحدها لا تكفي لخلق أنظمة إقليمية ناجحة.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه هذه المجموعة الرباعية المقترحة ليس غياب القوة، بل صعوبة تحويل المصالح الوطنية إلى رؤية إستراتيجية مشتركة حقيقية.
تتعامل كل دولة مع الأزمات الإقليمية من خلال أولوياتها الأمنية الخاصة. ولا تتطابق تقييماتها لقضايا مثل سوريا وليبيا وشرق المتوسط والعلاقات مع إيران، والتحالفات الإقليمية الأوسع، دائمًا. وبينما تحسّنت العلاقات بين هذه الدول بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، يبقى تحويل التطبيع الدبلوماسي إلى تنسيق إستراتيجي طويل الأمد مهمةً بالغة الصعوبة.
علاوة على ذلك، نادرًا ما عانى الشرق الأوسط من نقص في المبادرات أو التصريحات، بل افتقر إلى مؤسسات راسخة قادرة على إدارة الخلافات قبل أن تتطور إلى نزاعات مسلحة.
وبالتالي، يتجاوز التحدي الحقيقي مجرد إصدار بيانات مشتركة، إذ يتطلب إنشاء آليات دائمة للتشاور السياسي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والأمن البحري، وحماية البنية التحتية، وإدارة الأزمات، والتعاون في مكافحة الإرهاب، والتكامل الاقتصادي.
إن هذه المؤسسات -لا التفاهمات الدبلوماسية المؤقتة- هي التي تحدد في نهاية المطاف مدى استدامة إطار الأمن الإقليمي.
وثمة سؤال آخر لا مفر منه: هل يمكن لهيكل أمني جديد للشرق الأوسط أن ينجح دون إشراك إيران في نهاية المطاف؟
وسواء نظرنا إلى طهران كمنافس أو شريك أو كليهما، تظل إيران أحد الفاعلين الإستراتيجيين الرئيسيين في المنطقة. أي إطار أمني دائم يستبعد دولة ذات ثقل جيوسياسي كإيران سيواجه قيودًا جوهرية.
لهذا السبب، قد يكون من الأنسب فهم الرباعي المقترح ليس تحالفًا حصريًا، بل كنواة لمنصة إقليمية أوسع، يمكن أن تتوسع تدريجيًا لتشمل دولًا مؤثرة أخرى مع تطور الأوضاع السياسية.
ومن ناحية أخرى، تمثل إسرائيل متغيرًا رئيسيًا آخر، فقد أظهرت صراعات السنوات الأخيرة أن تداعيات العمليات العسكرية الإسرائيلية تتجاوز بكثير الصراع الفلسطيني الإسرائيلي نفسه. فقد أثر تصاعد التوترات على الأمن البحري، وأسواق الطاقة الإقليمية، والعلاقات الدبلوماسية، والتوازن الإستراتيجي الأوسع نطاقًا في منطقة الشرق الأوسط.
في هذا السياق، يرى هاكان فيدان أن: "المشكلة الحقيقية تكمن في أن إسرائيل ليست مشكلة تركيا وحدها، بل هي مشكلة العالم أجمع... إنها قضية تهم البشرية جمعاء". وسواء اتفقنا مع هذا التقييم أم لا، فإنه يعكس إدراكًا متزايدًا في أنحاء كثيرة من العالم بأن الصراعات الإقليمية لا يُنظر إليها بمعزل عن غيرها. فتداعياتها السياسية والاقتصادية والإنسانية تتجاوز الحدود الوطنية بشكل متزايد، مما يجعل الاستجابات الإقليمية الجماعية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
ويكمن تحدٍ آخر في البيئة الدولية نفسها. هل سترحب القوى العظمى في العالم بظهور نظام أمني إقليمي أكثر استقلالية؟ أم أنها ستعتبر مثل هذا الإطار بمثابة تقويض لنفوذها التقليدي في إحدى أهم مناطق العالم من الناحية الإستراتيجية؟
ويبقى أن التجربة التاريخية تقدم إجابة دقيقة، فلم تنشأ المنظمات الإقليمية الناجحة عمومًا في معارضة للنظام الدولي، بل من خلال تحقيق التوازن بين الملكية الإقليمية والشراكة البناءة مع القوى العالمية. ولذلك، من المرجح أن يعتمد مستقبل أي بنية أمنية في الشرق الأوسط على تحقيق توازن مماثل، توازن يعزز الفاعلية الإقليمية دون عزل نفسه عن النظام الدولي الأوسع.
وسيلعب الاقتصاد دورًا حاسمًا أيضًا، ويشير التاريخ إلى أن الترتيبات الأمنية المستدامة تُبنى عادةً على تنامي الترابط الاقتصادي المتبادل، لا العكس. تُظهر أوروبا وجنوب شرق آسيا ومناطق أخرى أن التجارة، وربط البنية التحتية، والاستثمار، ومشاريع التنمية المشتركة، غالبًا ما تخلق المصالح المتبادلة التي تجعل الاستقرار السياسي مرغوبًا ومستدامًا.
وبالنسبة لمصر والسعودية وتركيا وباكستان، فإن تعزيز التعاون في ممرات النقل، وشبكات الطاقة، والخدمات اللوجستية، والاستثمار الصناعي، والبنية التحتية الرقمية، والأمن الغذائي، من شأنه أن يُرسي تدريجيًا أساسًا اقتصاديًا قويًا بما يكفي لدعم شراكة إستراتيجية أوسع.