بمشاعر حقيقية لا صناعة فيها، احتفل العرب في كل مكان بإنجازات منتخب مصر لكرة القدم. نقلت لنا الأخبار، والشاشات، قبسًا من هذه الاحتفالات، التي أدهشت بعضًا منا كانوا نسوا في حومة خلافات عابرة، أن المشترك العربي أوسع بكثير، مما يحسبون.
ودائما يكون الأجمل من المشاعر، التعبير أو الإفراج عنها، ومع متابعة المباريات، كان هذا التعبير انفجارا حيويا، ومن دون مواربة أو حسابات.
لقد مسح الأداء الاستثنائي لمنتخب مصر في كأس العالم، بغض النظر عن نتائج مباراة الأرجنتين المرتقبة، كل سخافات أو قل مشاغبات صفحات التواصل الاجتماعي، عند أول احتكاك، ومن أصحاب صفحات، لا ينتظرون، ولا يتأملون أو يفقهون الموضع الذي يكتبون فيه، وكأنها مشاجرة في الشارع، ثم التراجع والكمون خلف الأسوار، لحين نشوب أزمة جديدة بين بلدين. تلك السخافات التي أحلم بعدم عودتها.
وقبل محاولة ربط مظاهر الفرح العربي بمسبباتها، من الجدير ذكر ملامحها، التي تبدت في كل عاصمة، في الإمارات العربية المتحدة، وفي الكويت وقطر والبحرين. في مدن الخليج الكبرى تتجمع الجاليات المصرية لمشاهدة المباريات، وتحتفل ويساندها الخليجيون، بالحضور المشترك للمباريات، والفرحة السيارة بعدها، ثم بالبرقيات والتصريحات الرسمية، ومن صناع المحتوى.
وفي السعودية وثقت الصور التي نقلتها وسائل الإعلام، الفرحة، وأطلقت التهاني، تجمعات من كل مستوى في مدن السعودية، بين المصريين والسعوديين شاهدت واستحسنت واحتفلت معا.
يحار من يمضي في تجميع الصورة العربية للاحتفالات العفوية، من دون تحسس الخريطة. وبعد المرور بالمشرق العربي نذهب إلى الغرب، في احتفالات الساحات في ليبيا، في ميادين بنغازي وفي ساحات طرابلس، ثم تونس والجزائر والمغرب، والأخيرة نشاركها فرحة أهلها بالاداء الأسطوري، ونتمني للمغرب أن يصل إلى أبعد نقطة. ثم موريتانيا، التي أعرف، هذا البلد العربي الجميل، الذي يعشق مصر، والذي أسمعني أهله في زيارتي الوحيدة، قبل عشر سنوات، تلاحم المشاعر والغيرة القومية والتضامن مع مصر في كل شيء، وعبرت صحف نواكشوط عن الفخر بالمنتخبات العربية، مصر والمغرب.
ونعود إلى المشرق، وفي بغداد كان الأمر مثيرا لحد ما، بغداد "جنة الدنيا وظل الأمان" ـ كتبها أحمد رامي وغنتها أم كلثوم في الثلاثينات ـ فخروج فريقهم من البطولة مبكرا، لم يمنعهم من الفرح الغامر، وكانت الأعلام المصرية والعراقية ترفرف معًا في سماء المدن العراقية، وداخل البيوت، وتداول المغردون مقاطع فيديو توثق البهجة المشتركة.
وقبل أن يهديهم مدرب المنتخب المصري الفوز، وقبل أن يرفع علم دولتهم، في ملعب المباراة في دالاس بالولايات المتحدة الأمريكية، كان الفلسطينيون في غزة، في الشوارع المحطمة، ووسط منازلهم المدمرة، يطلقون الحناجر بفوز مصر وبأدائها فريقها المميز.
إن المشاعر مثل مشاركة الفرحة، ليست فرجة على موكب عرس يمر من أمامنا، ويمضي، لكن الإرث المشترك، هو الجذر المؤسس لمثل هذه المشاطرة الحقيقية. يعرف كثيرون ـ وقطعا هناك البعض لا يعرف ـ قيمة مصر، بعيدا عن كرة القدم. لقد سافرت إلى غالبية الدول العربية، في مؤتمرات سياسية وفعاليات ثقافية، ولمست الحب الشعبي الحقيقي، الذي غمرني، لكوني مصريا. يحتاج الأمر إلى شروح وقص وحكايات، من فندق نزلت به، مقهى جلست عليه، سوق تجولته، ترام ركبته، أو قطار، أناس عاديون جالستهم بالمصادفة، ونخبة وسائقي تاكسي ووزراء وسفراء..هذه هي العلاقة الحقيقية مع مصر وأهل مصر.
ربما حاول كثيرون من أصدقائي العرب تفسير الفرحة الشديدة التي انطلقت بعفوية، مع المصريين، ربما أرجعها البعض إلى تردي الأوضاع العربية، بسبب الصراعات لدى البعض وسوء الإدارة لدى البعض الآخر.
وقد أختلف هذه المرة، فحتى لو كانت الأوضاع العربية في أبهى صورها، كان احتفالنا سيطوق بالأحضان العربية، بأمل الشباب، بصورة مصر التي في خاطر كل عربي، بذكرى تخصه، وموقف يعنيه، وروابط نسب مشتركة وصداقات وحفظ للود. هذه هي مصر، وهؤلاء هم العرب، ومازلت أحلم بيوم، نذهب فيه بهذا المشهد الاحتفالي بعيدًا، وفي مجالات عدة.