ليست كرة قدم.. بل وطن يفرح وعدو ينتفض كرهًا

6-7-2026 | 19:06

يخطئ كثيرًا من يظن أن مباريات كرة القدم تُحسم داخل المستطيل الأخضر فقط. فبعض المباريات تتجاوز حدود الملعب لتصبح اختبارًا لوعي الشعوب، ومقياسًا لقدرتها على الالتفاف حول وطنها، ورسالة تؤكد أن الانتماء الحقيقي لا تصنعه الخطب، بل تصنعه اللحظات التي يخفق فيها قلب الملايين بإيقاع واحد.

ويقينا لم تكن الفرحة المصرية والعربية بتأهل منتخب مصر مجرد احتفال بفوز رياضي، وإنما كانت احتفالًا بصورة وطن يستعيد حضوره، ويؤكد أن اسمه ما زال قادرًا على جمع القلوب قبل أن يجمع النقاط.

في تلك اللحظة، لم يكن المشهد مصريًا خالصًا؛ فقد امتدت الفرحة إلى عواصم عربية عديدة، وكان أكثرها تأثيرًا ما رأيناه في غزة، حيث خرجت مشاعر الفرح من بين ركام الألم، لتعلن أن المحبة الصادقة لا تصنعها الحسابات السياسية، ولا تستطيع حملات التحريض أن تنتزعها من وجدان الشعوب.

لقد قالت غزة، بعفويتها، ما عجزت آلاف المنشورات والحسابات المأجورة عن نفيه؛ إن مصر ستظل حاضرة في القلب العربي، وأن العلاقة بين الشعوب أكبر من محاولات التشويه، وأقوى من كل خطاب يقوم على بث الكراهية وصناعة الخصومات.

وبطبيعة الحال يمكن فهم ذلك التوتر الذي أصاب جماعة الإخوان ومنصاتها الإعلامية مع كل موجة فرح مصرية. فالقضية بالنسبة لهم ليست مباراة كرة قدم، وإنما هي معركة على الوعي. إنهم يدركون أن الشعوب التي تفرح معًا، وتلتف حول رمز وطني، تصبح أكثر مناعة أمام دعاوى الإحباط، وأقل قابلية للانقسام.

من أجل هذا كله اعتادوا، منذ سنوات، أن يستقبلوا كل إنجاز تحققه الدولة المصرية بالطريقة نفسها؛ إنكار، ثم تشكيك، ثم تقليل من القيمة، ثم محاولة صرف الأنظار إلى أي قضية أخرى. إنها آلية ثابتة لا تتغير، سواء تعلق الأمر بمشروع قومي، أو نجاح دبلوماسي، أو إنجاز اقتصادي، أو تفوق رياضي.

بيد أن المشكلة التي تواجه هذا الخطاب تؤكد أن الحقائق لا يمكن حجبها طويلًا. فالشعوب ترى بعينها، وتقارن بنفسها، وتدرك الفارق بين النقد المسئول الذي يسعى إلى الإصلاح، وبين خطاب لا يعترف بأي نجاح لأنه ببساطة لا يريد لهذا الوطن أن ينتصر.

ولا يعني ذلك أن مصر أصبحت بلا تحديات، فالدول الحية لا تخلو من مشكلات، ولا توجد تجربة إنسانية كاملة. غير أن مواجهة التحديات لا تكون بهدم الثقة الوطنية، ولا بإقناع الناس بأن الفشل قدر محتوم، وإنما ببناء الإنسان القادر على النقد والعمل في الوقت نفسه.

لقد أثبت الانتصار الرياضي، مرة أخرى، أن الرياضة تمثل بحق إحدى أهم أدوات القوة الناعمة، وأنها قادرة على إعادة تشكيل الصورة الذهنية للدول، وإحياء الشعور بالفخر والانتماء، وهو ما يجعل الاستثمار فيها استثمارًا في الوعي قبل أن يكون استثمارًا في المنافسة.

ونضع أيدينا على الرسالة الأهم هنا، وهي أن المصريين ما زالوا يملكون القدرة على الاجتماع حول وطنهم كلما وجدوا ما يستحق الفرح، وأن هذا التماسك هو الثروة الحقيقية التي لا يمكن لأي حملة إعلامية أن تنتزعها.

إن الأوطان لا تعيش على الأزمات، وإنما تعيش على الأمل. والفرح الوطني ليس أمرا كماليا ليس ذي شأن، بل طاقة تدفع الشعوب إلى مواصلة البناء، وتمنحها الثقة في المستقبل. ومن يضيق صدره بابتسامة المصريين، أو يحاول تحويل كل نجاح إلى مناسبة للتشكيك، فإنه لا يخاصم فريقًا رياضيًا، وإنما يخاصم فكرة الوطن ذاتها.

ولمن يع المشهد جيدا سيدرك أنه لم تكن الحكاية يومًا عن كرة قدم... بل كانت، وستظل، حكاية وطن يعرف كيف يفرح، وكيف يصنع الأمل، وكيف يبقى أكبر من كل محاولات التشويه والتشكيك برغم وضوح الرؤية لأصحاب البصيرة والنوايا الحسنة التي تدعمها مشاعر وطنية حقيقية وانتماء لا يتزحزح بل يرسخ ..فهيهات أن ينجح المشوهون والمشككون..إنها مصر يا قوم!

وهذا هو الحال عندما توحّد الكرة ما فرّقته السياسة.. ويظل السؤال: "لماذا يخشى الإخوان فرحة المصريين؟".

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: