أطفال غزة يهدمون سردية الإخوان!

6-7-2026 | 16:09

كانت ليلة من ليالي الفرح النادر، تلك التي تهتز لها المدرجات هتافًا، وترتج لها قلوب العرب من المحيط إلى الخليج بنبض واحد. لم تكن مجرد تسديدة كرة، ولا مجرد هدف عابر في سجلات كأس العالم؛ كانت لحظة استثنائية اختلطت فيها دموع الملايين من أبناء الأمة بزغاريد الأمهات؛ ليلة تصالح فيها العربي مع ذاته، وارتوى من نبع الكرامة بعد ظمأ طويل. لقد شاء الله للمنتخب الوطني المصري لكرة القدم أن يمسح بالأفراح أوجاعًا غائرة، فإذا بفرحة المصريين تتحول إلى عرس قومي، وإذا بأعلام مصر ترفرف في شوارع بغداد والجزائر وعمان والرياض، كأنها رايات جامعة لعائلة كبرى تذكرت للتو وشائج قرباها.

كان المشهد بديعًا، يوقن من يراه أن الأمة التي قالوا عنها إنها ماتت! ما يزال في جسدها نبض، وأن حبل الود بين شعوبنا أمتن من كل سكاكين الطعن التي تغرز في خاصرة العروبة ليل نهار. غير أنه، في قلب هذه الملحمة الإنسانية، برز مشهد آخر أربك الحسابات وأسقط الأقنعة، وهي فرحة غزة. نعم، غزة الجريحة، غزة المحاصرة بالنار والحديد، خرجت عن بكرة أبيها لتبارك لمصر. خرج أطفال الحجارة وشيوخ الرباط ليرفعوا علم مصر، ليقولوا بصوت واحد: "دمنا واحد، وفرحتنا واحدة".

في هذه اللحظة الفارقة، انكشفت عورة الجماعة، وتهاوت أعمدة دعايتهم المسعورة التي ظلت سنوات تحاول فصل غزة عن عمقها المصري. كذبت دعاية الإخوان، تلك التي روجت أن مصر خانت القضية؛ وها هو نبض الشارع الغزي يرد عليهم بلا مواربة، إن مصر هي الأم، وهي الحضن، وهي السند، وفرحها فرحنا.

فلماذا يحارب هؤلاء فرحة المصريين؟ لماذا يغتاظون من ضحكة طفل في وجه مصري، أو دمعة فرح في عين أم؟ الإجابة مرعبة في بساطتها؛ لأنهم ببغاوات الفتنة، وصناع الكآبة. لأن وجودهم قائم على شقاء الناس، وسلطانهم مبني على أنقاض الأمل.

فرحة المصريين هي إعلان انتصار للحياة على الموت، ولالدولة على الفوضى، وللبناء على الهدم. كلما ضحك مصري، شعر قادة التنظيم الدولي بألم في خاصرتهم السياسية؛ لأن ضحكة المصري تعني أنه اكتشف زيفهم، وتجاوز محنتهم، وقرر أن يعيش رغم أنوفهم.

لقد دأب هؤلاء، منذ صعدوا على مسرح الخديعة، على التشكيك في كل إنجاز للدولة المصرية. شقت مصر طريقًا في الصخر، وبنت جسورًا ومدنًا جديدة؟ قالوا: "مسرحيات". حققت مصر اكتفاءً ذاتيًّا من الغاز وأمنت قوتها؟ قالوا: "أكاذيب". فتحت مصر ذراعيها للعالم قمم ومؤتمرات؟ قالوا: "تضليل".

واليوم، حين ينتفض العرب حبًّا في مصر، ويحتضن الغزيون الفرحة المصرية كأنها عيدهم، يقف الإخوان حائرين، مبلبلين، لا يدرون كيف يواجهون هذا السيل الجارف من المشاعر الصادقة. إنه المشهد الذي يفضح "كذبة الانعزال"، ويؤكد أن مصر حين تنتصر، ينتصر العرب جميعًا، وحين تفرح، تهتز أركان الأمة طربًا.

حرب الإخوان على الفرحة ليست سوى حرب على معنى الوطن ذاته. إنهم يدركون جيّدًا أن الشعب إذا فرح، تعلق قلبه بتراب وطنه، وإذا تعلق بوطنه، صار درعًا حصينًا في وجه كل فتنة. ولذلك، تراهم يغتاظون من الهدف، ويشمتون في الفرحة، ويتمنون زوال النعمة عن قوم لم يسجدوا لصنمهم. لكن هيهات.. لقد ذهب زمن الكذب. غزة التي تئن تحت الحصار والموت، والمخيمات التي تئن تحت البلاء، خرجت لتقول كلمتها: نحن مع مصر، نحن من مصر، وفرحتنا بها دليل حب خالص لوجه الله والوطن. فاسكتوا، يا من تلبسون عباءة الدين زورًا، واتركونا نفرح بوطننا، ونشد أزر أشقائنا، ونبني مستقبلًا لا مكان فيه لكم. ولتذهب دعايتكم أدراج الرياح، فما عادت تنطلي على أحد، لا في غزة، ولا في قلوب العرب جميعًا.

هذه هي افتتاحية المشهد؛ أما الآن، فلنغص في العمق أكثر، ونحلل هذه الظاهرة العجيبة؛ جماعة سياسية عقيدتها الكآبة، وتجارتها الرمادية، وصنعتها القتل المعنوي للشعب قبل الجسدي.

المتأمل في أدبيات الإخوان، منذ نشأتهم وحتى اللحظة، يكتشف بجلاء أنهم لم يكونوا يومًا حركة تحرير وطني، ولا طليعة نهضة فكرية، ولا رواد تنمية بشرية. كانوا وما زالوا تنظيمًا سياسيًّا شديد البراجماتية، يتقن لعبة الاستثمار في الألم، ويتفنن في إنتاج اليأس، ويتاجر في الدم الفلسطيني كما تتاجر العصابات في المخدرات. غزة بالنسبة لهم مادة دعائية يشحذ بها الغضب، ويجند بها الشباب، وتملأ بها خزائن التنظيم السري تحت شعارات نصرة الأقصى وفك الحصار.

فلما خرجت غزة بفطرتها السليمة تفرح لمصر، انهار نموذجهم الدعائي على رؤوسهم. كيف يحدث هذا؟ كيف يضحك الغزيون ويلوحون بالأعلام المصرية، والجماعة تصر على أن مصر متآمرة ومتخاذلة؟ الحقيقة التي لا يريدونكم أن تروها هي أن الغزي يعرف من يفتح له المعابر ويدخل المساعدات ويضغط سياسيًّا لوقف إطلاق النار، ويعرف من يبيع الوهم ويسكن الفنادق الفاخرة في إسطنبول ولندن ويطلق التصريحات النارية من خلف الشاشات.

وهنا مربط الفرس في فهم العقلية الإخوانية؛ إنهم يكرهون الدولة المصرية، لا لأنها علمانية كما يدعون، ولا لأنها حاربت الإسلام كما يزعمون، لكن لأنها ببساطة دولة تنجح، وتبني، وتفرح، وتنتج؛ دولة تزرع الأمل في صحراء اليأس التي زرعوها. نجاح الدولة المصرية هو الفشل الإستراتيجي الأكبر للمشروع الإخواني.

كل مدينة جديدة تشيد، كل مباراة كرة قدم تفرح المصريين وتجمع العرب حولهم، هي مسمار في نعش فكرتهم الرخيصة بأن مصر بدونهم لا تقوم لها قائمة، وأنهم وحدهم "المختارون" لقيادة الأمة من الضياع إلى الضياع.

أخطر ما يمكن رصده في الخطاب الإخواني المعاصر هو التشكيك الممنهج، أو ما يمكن أن نطلق عليه هندسة الوعي المسموم. هم لا يكذبون أكاذيب عابرة، هم يصنعون سردية كاملة، أو بالأحرى رواية بديلة عن الواقع، ثم ينفقون عليها الملايين، وتبث عبر منصات إعلامية وهمية وجيوش إلكترونية، مهمتها الأولى والأخيرة أن تقنعك أن الأبيض أسود، وأن النجاح فشل، وأن الفرح مؤامرة.

حتى عندما انتصرت مصر في معركتها ضد الإرهاب في سيناء، وطهرت الأرض من رجس التكفيريين، شككوا وقالوا: تهجير قسري، انتهاكات. وعندما تفرح مصر بهدف، وتفرح غزة مع مصر بذات الهدف، وتنتفض شوارع الوطن العربي فرحًا، يصابون بصدمة وجودية؛ لأن الفرحة الشعبية العارمة تنسف أطروحتهم الكاذبة، بأن الشعب المصري والعربي معزول عن محيطه، حاقد على قيادته، يائس من مستقبله، ينتظر الخلاص على أيديهم.

كذبت غزة هذه الدعاية. كذبها الطفل الغزي الذي رفع علم مصر، والشيخ الذي خرج من تحت الركام ليقول "تحيا مصر"، وكذبها الشباب الذين هتفوا في خيام النزوح باسم مصر. هذه ليست مجرد مشاعر، هذه شهادة تاريخية ضد الجماعة، شهادة بأن الشعب الفلسطيني البطل الصابر يفرق بين من يدعمه فعلاً بالدم والمال والضغط السياسي، وبين من يتاجر بدمه في سوق النخاسة السياسية.

وهنا نصل إلى جوهر القضية، وهي العلاقة العضوية بين الشعبين المصري والفلسطيني. إنها علاقة تتجاوز الحكومات والسياسات، علاقة دم وتاريخ وجغرافيا، وهي بالنسبة للإخوان عدو استراتيجي. لماذا؟ لأنهم يريدون احتكار قضية فلسطين، أن يصبحوا هم الوكيل الحصري الوحيد للحديث باسم الفلسطينيين، وهم الذين فتحوا بوابات غزة لإيران وأدخلوا الانقسام إلى رام الله، وهم الذين انقلبوا على السلطة الشرعية هناك، وهم الذين زجوا بالفلسطينيين في مغامرات دموية مرتبطة بأجندات إقليمية ودولية. ولكن ها هي غزة تقول لهم: "لا". ها هو الشعب الفلسطيني، في أحلك لحظاته، يذكر العالم أن مصر هي العمق الاستراتيجي للقضية، وأن فرحة مصر هي فرحة فلسطين، والعكس صحيح.

هنا بلغ الحقد الإخواني ذروته، وهنا نفهم لماذا يحاربون الفرحة بكل ما أوتوا من قوة إعلامية ونفسية. إنهم يحاربون الفرح لأنه توحيد، وهم يريدون "تفتيت". الفرح يجمع العرب على فطرة الحب، وهم يريدون جمعهم على الكراهية. الفرح يبني جسورًا قوية بين الشعوب، وهم يريدون هدم كل الجسور إلا جسر الطاعة العمياء للتنظيم. الفرح يؤكد أن الحياة ممكنة، وأن الأمل موجود، وهم يكرهون ذلك؛ لأن تجارتهم الرائجة هي الموت واليأس والغضب الأعمى.

وفي سياق كأس العالم لكرة القدم، تبدو المفارقة أشد وضوحًا. الرياضة دائمًا ما كانت مرآة للأمم، مقياسًا لصحتها النفسية وحيويتها. عندما يفرح مائة مليون مصري، ويهتز الشارع العربي فرحًا معهم، فهذا يعني أن ثمة روحًا جماعية ما زالت حية، ما زالت قادرة على الحلم، ما زالت تبحث عن أبطال في زمن شحت فيه البطولة. الإخوان يكرهون كرة القدم، ليس لأنها تلهي عن ذكر الله كما يدعون نفاقًا، لكن لأنها توحد الناس على شيء بعيد عن السياسة، بعيد عن الأيديولوجيا، بعيد عن مرشدهم ومكتب إرشادهم. كرة القدم بالنسبة لهم خصم عنيد؛ لأنها تخلق حالة من الوجدان الجمعي المنفلت من قبضتهم، وجدان لا تسيطر عليه خطبة الجمعة المسيسة، ولا بيان التنظيم العالمي، ولا تغريدة المحرضين.

غزة التي فرحت بمصر، فعلت ذلك لأنها تعرف أكثر من غيرها قيمة الدولة والجيش والشعب الذي يقف خلفها. غزة تدرك بفطرتها أن تحرير الأرض لا يأتي من أنفاق حماس التي بددت ثروات القطاع، بل يأتي من بناء دولة قوية في مصر، قادرة على حماية الأمن القومي العربي، قادرة على مساندة الحق الفلسطيني بكل ثقلها السياسي والدبلوماسي والأخلاقي.

تبقى الكرة في الملعب الإخواني، وهم يعرفون أنهم مهزومون. يعرفون أن شرائح واسعة من أعضائهم ومناصريهم قد أصابها الإحباط من هذا الخطاب المكرور. يعرفون أن الجيل الجديد من الشباب العربي لم يعد يُخدع بسهولة، وأن هذا الجيل يرى بعينيه الفارق بين من يبني ويعمر ويفرح، ومن يهدم ويخرب ويشمت.
الفرحة المصرية، بكل ما حملته من زخم، كانت أشبه بامتحان مفاجئ، رسبت فيه الجماعة رسوبًا تامًّا كاملًا؛ لأنها كشفت عن وجهها الحقيقي كجماعة لا تعرف من الوطنية إلا الشعار، ولا من الدين إلا الاسم، ولا من السياسة إلا المؤامرة.

غزة كذبتكم، وأطفالها الذين رقصوا في الشوارع كذبوكم، وأعلام مصر التي رفرفت في السماء بأيادٍ فلسطينية في كل زقاق وحارة كذبتكم. فمن بقي ليصدقكم؟

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: