الاستقرار والاستثمار

7-7-2026 | 11:30

في الحروب، لا تكون الجيوش وحدها طرفًا في المعركة؛ فإلى جانب الدبلوماسية والسلاح، هناك لاعب آخر يراقب المشهد من بعيد، لكنه لا يتخذ قراره إلا بعد أن تهدأ أصوات المدافع. إنه المستثمر، الذي لا تحكمه اعتبارات السياسة بقدر ما تحكمه معادلة الاستقرار والمخاطر.

ورأس المال، بخلاف السياسة، لا يقرأ البيانات العسكرية، ولا يلتفت إلى خطابات النصر والهزيمة، وإنما يقرأ مؤشرًا واحدًا: اليقين. فإذا غاب الاستقرار، تراجع الاستثمار. وإذا ارتفعت المخاطر، فضّل المستثمر الانتظار، حتى وإن كانت الفرص الاقتصادية مغرية.

الانتظار والترقب 

وهذا بالضبط ما تكشفه الأرقام الأولية بعد الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران. فخلال ثلاثة أشهر فقط، سجل الشرق الأوسط أكبر تراجع في العالم في إعلانات مشروعات الاستثمار الأجنبي المباشر الجديدة، بعدما انخفض عددها بنحو 67%، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات fDi Intelligence. وليس الرقم وحده هو ما يلفت الانتباه، بل الرسالة التي يحملها، إذ إن رأس المال العالمي اختار التريث، لا الانسحاب.

فالاستثمار الأجنبي المباشر لا يتحرك بردود الفعل السريعة، كما تفعل الأسواق المالية، بل يبني قراراته على توقعات تمتد لسنوات. وعندما يجد المستثمر نفسه أمام منطقة تتصدر نشرات الأخبار بسبب الصواريخ وإغلاق الممرات البحرية والتوترات العسكرية، فإن أول قرار يتخذه ليس الإلغاء، وإنما التأجيل. لذلك فإن ما شهدته المنطقة خلال الأشهر الماضية يمكن وصفه بأنه اقتصاد الانتظار.

الأمن الاقتصادي

كشفت الحرب عن حقيقة كثيرًا ما تغيب وسط ضجيج السياسة، وهي أن الأمن الاقتصادي أصبح جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي. فمنطقة الخليج لم تكن خلال العقود الماضية مجرد مصدر للطاقة، بل كانت تمثل أيضًا نموذجًا للاستقرار النسبي في بيئة إقليمية مضطربة، وهو ما منحها ميزة تنافسية في جذب الاستثمارات العالمية. لكن مجرد تعرض مضيق هرمز لاضطرابات، وتبادل الضربات في محيط الخليج، كان كافيًا لإعادة تسعير المخاطر في نظر المستثمرين.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن التراجع لم يقتصر على دولة بعينها. فقد انخفضت إعلانات المشروعات الجديدة في الإمارات، رغم احتفاظها بموقعها كأكبر مستقبل للاستثمار الأجنبي في المنطقة، كما تراجعت المشروعات في السعودية وقطر وسلطنة عُمان، بينما توقفت تقريبًا في بعض الأسواق الأصغر. إنها رسالة مفادها أن رأس المال ينظر إلى الشرق الأوسط كوحدة جيوسياسية مترابطة، وأن المخاطر الإقليمية لا تتوقف عند حدود الدولة التي تدور فيها الحرب.

موجة جديدة من عدم اليقين

لكن من الخطأ أيضًا تحميل الحرب وحدها مسئولية هذا التراجع. فبعض المؤشرات كانت تشير بالفعل إلى تباطؤ نسبي في وتيرة المشروعات الجديدة قبل اندلاع الصراع، نتيجة مراجعة بعض المشروعات العملاقة، وارتفاع تكاليف التنفيذ، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية. جاءت الحرب لتضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى مشهد كان يواجه تحدياته الخاصة.

ومع ذلك، فإن قراءة الأرقام تحتاج إلى قدر من التوازن. فالتراجع في إعلانات الاستثمار لا يعني بالضرورة هروب المستثمرين أو انهيار جاذبية المنطقة. فمشروعات الاستثمار الأجنبي المباشر تُخطط على مدى شهور، وربما سنوات، قبل الإعلان عنها، وتأجيل الإعلان لا يعني بالضرورة إلغاء المشروع. ولهذا يرى عدد من بيوت الخبرة الدولية أن ما يحدث اليوم يعكس تأجيلاً في توقيت القرارات أكثر مما يعكس تحولاً هيكليًا في اتجاهات الاستثمار.

بوصلة الاستثمارات 

بل إن الحرب نفسها تفتح أبوابًا لمرحلة استثمارية مختلفة. فالأزمات الكبرى كثيرًا ما تعيد ترتيب الأولويات الاقتصادية. ومع تزايد الحديث عن أمن الطاقة، وحماية البنية التحتية، وتأمين سلاسل الإمداد، بدأت المنطقة تشهد اهتمامًا متزايدًا بمشروعات الممرات اللوجستية البديلة، وشبكات النقل البرية، وخطوط الأنابيب، والصناعات الدفاعية، إضافة إلى الاستثمارات المرتبطة بالأمن السيبراني والتقنيات الحيوية.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل سيعود الاستثمار؟ بل أصبح: إلى أي القطاعات سيتجه عندما يعود؟ فالمستثمر العالمي لم يعد يبحث فقط عن الأسواق الكبيرة أو العوائد المرتفعة، بل عن الاقتصادات الأكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات، والأسرع في استعادة نشاطها بعد الصدمات.

الثقة في البيئة الاستثمارية

علمتنا الأزمات المتعاقبة، من جائحة كورونا إلى الحرب في أوكرانيا ثم الحرب على إيران، أن خريطة الاستثمار العالمي لم تعد تُرسم فقط وفق معايير الربحية، وإنما وفق معايير المرونة والقدرة على إدارة المخاطر. وهذا التحول يعيد تعريف مفهوم التنافسية الاقتصادية، فلم تعد الموانئ والمناطق الصناعية وحدها كافية لجذب رؤوس الأموال، بل أصبحت الثقة في استقرار البيئة الاستثمارية جزءًا من البنية التحتية نفسها.

ربما تكون الحرب وضعت أوزارها، لكن رأس المال لم يحسم قراره بعد. فهو لا يتحرك بالعاطفة، ولا يستجيب للخطابات، بل ينتظر اتضاح الصورة وجلاء الرؤية. وإذا كان التاريخ يقول إن الجيوش هي التي ترسم حدود الدول، فإن الاقتصاد يثبت اليوم أن الاستثمارات هي التي ترسم حدود النفوذ الحقيقي. ومن ينجح في استعادة ثقة المستثمرين بعد الأزمات، لا يكسب جولة اقتصادية فحسب، بل يؤسس لمرحلة جديدة من القوة والتنمية في عالم أصبحت فيه الثقة هي العملة الأغلى، ورأس المال هو الأكثر حساسية للمخاطر.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة