حكايات علمية (4): نهاية أقدم كابوس عرفته البشرية!

6-7-2026 | 12:00

     في عام 1796، أقدم طبيب إنجليزي يدعى إدوارد جينر على تجربة كانت ستواجه بالرفض التام وفق المعايير الأخلاقية والطبية الحديثة، لكنها غيرت مجرى التاريخ.

      كان جينر قد لاحظ ظاهرة تتكرر في الريف الإنجليزي. ذلك أن السيدات اللاتي يحلبن الأبقار كنّ يُصبن أحيانًا بمرض يُعرف بـ"جدري البقر"، وهو عدوى فيروسية خفيفة تنتقل إليهن من الأبقار أثناء الحلب، فتسبب بثورًا مؤلمة في اليدين، لكنها نادرًا ما تكون خطيرة. 

      والأمر الذي أثار انتباهه أن هؤلاء النسوة كن يبدون مُحصنات ضد الجدري البشري، المرض الذي كان آنذاك من أكثر الأمراض فتكًا بالبشر. من هذه الملاحظة البسيطة بدأت تتشكل في ذهن جينر فرضية غيّرت تاريخ الطب.

   لاختبار هذه الفرضية، أخذ جينر مادة من بثور امرأة أُصيبت بجدري البقر، ثم لقح بها طفلاً يبلغ ثماني سنوات يُدعى جيمس فيبس، وهو ابن بستاني يعمل لديه، أصيب الصبي بوعكة خفيفة ثم تعافى سريعًا.

    وبعد عدة أسابيع، أجرى جينر ما كان يُعرف آنذاك بـ"التجدير"، فعرض الصبي لمادة من الجدري البشري ليرى إن كان سيُصاب بالمرض. المفاجأة أنه لم يُصب بالجدري، وتكررت التجربة لاحقًا في ظروف مماثلة مع نتائج دعمت فرضية جينر. والمؤكد أن مثل هذه التجارب اليوم على البشر غير مقبولة أخلاقيًا.

    المفاجأة، أنه عندما عرض جينر نتائجه، قوبلت بفتور. فقد طلبت الجمعية الملكية في لندن مزيدًا من الأدلة قبل نشرها، واضطر إلى نشر أبحاثه بنفسه. كما واجه معارضة وسخرية من بعض الأطباء ورجال الدين وعامة الناس، لدرجة أنه قد انتشرت آنذاك رسوم كاريكاتيرية تُصور الملقحين وكأنهم قد نبتت لهم قرون الأبقار، تعبيرًا عن الخوف من اللقاح الجديد.

    لكن النتائج كانت أقوى من السخرية. فقد أثبت اللقاح فعاليته، وانتشر تدريجيًا في أوروبا ثم في أنحاء العالم. وكان من بين مؤيديه نابليون بونابرت، الذي أمر بتطعيم جنوده، ويُروى أنه استجاب لطلب جينر بالإفراج عن عدد من الأسرى البريطانيين تقديرًا لمكانته العلمية.

     كان الجدري لعنة رافقت البشرية قرونًا طويلة. ففي القرن العشرين وحده تشير التقديرات إلى أنه تسبب في وفاة نحو 300 مليون إنسان، بينما ترك ملايين الناجين بآثار دائمة، من تشوهات الوجه إلى فقدان البصر.

    واستمرت حملات التطعيم العالمية حتى أعلنت منظمة الصحة العالمية، في عام 1980، القضاء على الجدري رسميًا. وحتى اليوم، يبقى الجدري المرض البشري الوحيد الذي نجحت البشرية في استئصاله بالكامل بفضل التطعيم.

    كل ذلك بدأ بفكرة جريئة، وطبيب آمن بالملاحظة العلمية، وصبي صغير في ريف إنجلترا خضع لأعظم تجربة علمية دون أن يدري... وكانت النتيجة إنقاذ مئات الملايين من البشر عبر الأجيال، واستئصال شأفة مرض فتك بالملايين عبر التاريخ..

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: