زيارة وزير الصناعة المهندس خالد هاشم للمطابع الأميرية (يوم الإثنين الماضي) أكدت أنه ما زال ممكنًا، من الناحية الثقافية، الاحتفال بمرور مائتي عام على إنشاء مطبعة بولاق.
والمطبعة التي أُنشئت بأمر محمد علي باشا عام 1820، أصدرت أول إنتاجها في عام 1822، وهو كتاب "قاموس عربي ـ إيطالي"، وكانت وزيرة الصناعة السابقة نيفين جامع وعدت باحتفال تقيمه الوزارة في سبتمبر عام 2022، بمناسبة مرور مائتي عام على صدور أول كتاب عن المطبعة. لكن جائحة كورونا كان لها رأي آخر، ما جعل المطبعة، التي باتت منذ منتصف الخمسينيات، تتبع وزارة الصناعة، وتعرف باسم "الهيئة المصرية العامة لشئون المطابع الأميرية"، تفرق خططها بالاحتفال، على فعاليات متقطعة، في معرض الكتاب أو غيره، ولكن لماذا يبدو الاحتفال ضروريًا في تصوري؟!
ولنأخذ شيئًا مما طرحه المهندس خالد هاشم، من حيث إن هيئة المطابع الأميرية ـ بولاق سابقًا ـ "تمثل أحد أهم مراكز الطباعة والنشر في مصر"، وكان لها "دور بارز في إرساء نهضة فكرية وحضارية بالمجتمع المصري"، و"ساهمت في الحفاظ على تاريخ نهضة مصر الحديثة"، ومن حيث إنها "أحد أقدم الكيانات الحكومية الموجودة بالدولة حالياً".
مطبعة بولاق بالفعل رمز للنهضة المصرية الحديثة، والمسألة أكبر من الإحياء فقط، وإنما تطوير قدراتنا على استعادة معالم الطريق إليها. فمطبعة بولاق تاريخيًا من أوائل علامات الصدام المصري مع التطور الحادث في أوروبا، ولم نكن نتابعه، لانغماسنا في وحل الصراع في وعلى بلدنا، ما بين العثمانيين والمماليك.
وجاء الفرنسيون بمطبعة (بين عامي 1798 إلى 1801 م)، فأدهشتنا، وعندما باشر محمد علي خططه لتحديث البلاد بدأ بها. فأرسل نيقولا مسابكي إلى ميلانو بإيطاليا، لدراسة فن الطباعة، وهو الذي عاد بأحدث ماكيناتها سنة 1820، وعينه الباشا رئيسًا للمطبعة التي اختار لها منطقة بولاق. ولأن لكل إنسان نصيبًا من اسمه، فقد نجح السوري الماروني مسابكي في العمل في سبك حروف الطباعة.
وصحيح أن في خلفية خطط محمد علي، إنشاء وتحديث الجيش، وجلبه للمطبعة لطباعة الأوامر والأغراض العسكرية، إلا أنها عادت بالنفع في المجالات المدنية خصوصًا الثقافية. ولم يكن هذا ممكنًا بغير رواد ملهمين، كانوا حتى ذلك الحين، لم يخرجوا من عباءة الدراسات الدينية والتاريخية، لكنهم كانوا مؤهلين ومتحمسين، وهو ما سنراه فيما بعد.
وتخلت مطبعة بولاق عن دورها الوحيد في طبع أوامر الجيش المصري بعد إنشائها بأشهر قليلة، حيث لاحظ محمد علي نجاح المطبعة ودقة الأوراق الصادرة عنها، فأدخل طبع الكتب. وكانت التقنية المستخدمة هي طريقة الطباعة على الحجر التي اعتمدت لتنفيذ كتاب "صباغة الحرير" سنة 1823، وطبعت بالطريقة نفسها الشهادات الرسمية للدولة..
ودخلت المطبعة في منعطف جديد أعطاها الوزن والثقل في ضمير الأمة، وربما جعلها مرجعًا في "بيروقراطية" الدولة المصرية. وذلك بصدور أول عدد من جريدة "الوقائع المصرية"، الجريدة الرسمية للدولة، في 3 ديسمبر 1828 باللغتين العربية (لغة الشعب) والتركية (لغة الحاكم). وصدرت الجريدة بأربع صفحات، مقاس 37 ×22 سم، الصفحة الواحدة مقسمة إلى عمودين فقط، ومرسوم أعلى الصفحة أصيص زهور تحته عنوان "وقايع مصرية".
وكانت أول صحيفة مصرية يومية، تصدر عن أول مؤسسة صحفية في مصر والعالم العربي. وارتبطت بأسماء عديدين ممن رأسوا تحريرها مثل الشيخ رفاعة رافع طهطاوي والإمام الشيخ محمد عبده، كما شارك في تحريرها الزعيم السياسي سعد باشا زغلول. وأسندت رئاسة تحرير "الوقائع المصرية" سنة 1842، إلى الشيخ الطهطاوي (1801-1873)، وكان إمام بعثة باريس الأولى التي أوفدها محمد علي باشا.
وتخصص في الترجمة وعاد سنة 1838 من باريس بعد خمس سنوات، ليحدث تغييرات عميقة وواسعة الأثر في الصحيفة، وفي المجتمع. فهو أضاف إليها قسما للحوادث الخارجية، وغير لغتها الأساسية من التركية إلى العربية، وبرز فن المقالة السياسية مع الطهطاوي، وانتظمت الصحيفة في الصدور، واعتمدت على طاقم تحرير وترجمة من شباب الأزهر.
وقدمت "مطبعة بولاق" للثقافة العربية مجموعة من الإصدارات المهمة، خصوصًا التراثية أو المترجمة. وكانت عبارة "طبع في بولاق" تعني الجودة والأهمية والقيمة لسنوات طويلة، وساعدت مطبعة بولاق أيضًا على نشر التعليم الحكومي، وثبتت كما يلاحظ المؤرخ محمد شفيق غربال دعائم الإدارة المركزية النافذة للحاكم، حتى نهاية عهد الخديو إسماعيل، بعدها تحولت إلى أداة من أدوات النهوض القومي والفكري.
مرةً أخرى الاحتفال بمائتي عام على إنشاء مطبعة بولاق، ضروري، ويمكن أن تتبناه وزارة الثقافة ووزارة الصناعة ومكتبة الإسكندرية معًا، ويعقدون مؤتمرًا ثقافيًا دوليًا تقدم إليه أبحاث علمية عن مطبعة بولاق من قبل الخبراء والمحققين، يقيمون معرضًا يضم النوادر من مطبوعات بولاق والكتب المهمة التي تؤرخ للمطبعة نفسها، معرضًا لتطور الحروف العربية وآلات الطباعة، ينتجون فيلمًا وثائقيًا عن رحلة نيقولا مسابكي نفسه إلى إيطاليا، وهو رائد الطباعة العربية الحديثة، ويطلقون منصة إلكترونية يمكن من خلالها قراءة المطبوعات التي انتهت حقوقها الفكرية... إلخ