في يومي 25 يونيو و27 يوليو من كل عام، تحيي شبه الجزيرة الكورية تاريخين مؤلمين، نتيجة لحرب أهلية استمرت 3 سنوات (1950-1953)، حصدت الملايين، وانتهت باتفاق هدنة، وأسلاك شائكة وأسوار وألغام، تقسم شعبًا واحدًا إلى دولتين.
حصيلة الخسائر البشرية للحرب الكورية تشير إلى مقتل وإصابة 620 ألف جندي من الجنوب، في مقابل مقتل وإصابة 800 ألف من الشمال، إضافة لخسائر بشرية لحقت بقوات الأمم المتحدة بلغت 155 ألف جندي، من القتلى والأسرى والمفقودين.
المؤلم أن حصيلة الخسائر البشرية للحرب الكورية من المدنيين فاقت العسكريين، حيث تجاوز عدد القتلى والمصابين والمفقودين نحو المليون من الجنوب، فيما بلغ الضحايا الشماليين 1.55 مليون. أي أن عدد المتضررين من الحرب بلغ نحو خمس سكان شبه الجزيرة الكورية -وقتها- إضافة لخسائر اقتصادية واجتماعية كبيرة.
في كوريا الجنوبية، تشير إحصائيات الخسائر الاقتصادية والاجتماعية للحرب الأهلية الكورية إلى تضرر 43% من مرافق التصنيع العامة، و50% من مرافق التعدين والفحم، وبلغت الخسائر الإجمالية نحو 22.8 مليار دولار. كما خلفت الحرب 10 ملايين أسرة مشتتة، و300 ألف أرملة، و100 ألف طفل فقدوا أبويهم.
زرت كوريا 4 مرات (2002-2004-2006-2024)، وأجريت حديثين صحفيين للأهرام مع الرئيس الأسبق، روه مو-هيون، وعام 2023 صدر لي كتاب بعنوان: كوريا.. الحرية والابتكار "خريطة طريق لعبور الأسلاك الشائكة بين الكوريتين".
سؤال المصالحة، وتحويل اتفاق الهدنة، إلى معاهدة سلام بين الكوريتين، كان هو محور التقارير والتحليلات، الناتجة عن الزيارات التي قمت بها، والمقابلات التي أجريتها مع كبار المسئولين الكوريين، وتحديدًا في حقب حكم الرؤساء الليبراليين. يوم الأربعاء الماضي (الأول من شهر يوليو)، اكتسب دلالة خاصة، على طريق الألف ميل، لاستعادة أجواء مصالحة مستعصية بين الكوريتين، ولتمهيد الطريق نحو معاهدة سلام يتطلع إليها الجنوب، فيما يصر الشمال على إغلاق أبوابه تمامًا.
الرئيس الكوري الأسبق، مون جيه-إن، يعتبر من أكثر الرؤساء الجنوبيين خبرة في إدارة الحوار مع الشمال، وارتبط اسمه بأكبر انفراجة، شهدتها العلاقات الثنائية بين الكوريتين، منذ سنوات طويلة، بحكم حضوره أكثر من قمة مع نظيره الشمالي.
مشروع المصالحة مع الشطر الشمالي آمن به اثنان من الرؤساء الليبراليين السابقين، هما: كيم داي-جونج (قمة بيونج يانج 2000)، وروه مو-هيون (قمة بيونج يانج 2007). ثم جاء دور مون جيه-إن ليعقد ثلاث قمم مع الزعيم الشمالي، كيم جونج-أون (أبريل 2018 - مايو 2018 - سبتمبر 2018)، إضافة لحضوره قمة رابعة ثلاثية، مع ترامب وكيم، بقرية بان مون جوم الحدودية، في يونيو 2019.
في عهد الرئيس الكوري الأسبق كيم داي-جونج بدت بيونج يانج مستعدة للتجاوب مع سياسة الشمس المشرقة التصالحية، التي نال كيم على أثرها جائزة نوبل، وحاول الرئيس الراحل، روه مو-هيون، تحويل المصالحة إلى تعاون اقتصادي وسياسي أوسع، فيما بلغت مظاهر المصالحة ذروتها بين الكوريتين في عهد مون.
شعار المصالحة مع الشمال يرفعه -بقوة- الرئيس الكوري الليبرالي الحالي، لي جيه-ميونج. لذلك، سعى لي للاستفادة من خبرة و"ورقة مون التصالحية"، وعقد اجتماعًا على درجة كبيرة من الأهمية مع الرئيس مون يوم الأربعاء، فيما تعمقت مظاهر الفراق بين سول وبيونج يانج، وأظهرتا أنهما على طرفي نقيض تمامًا، وتحديدًا، بعد أن اعتمد الشمال تعريفه للجنوب باعتباره "دولة معادية دستوريا"!
لي جيه-ميونج أبدى الرغبة -منذ توليه منصبه الرئاسي في يونيو 2025- في الالتقاء بسلفه، مون جيه-إن، إلا أن تحديد موعد اللقاء ظل يتطلب تنسيقًا بين الجانبين، حتى تحقق -فعليًا- على غداء عمل، بمقر الرئاسة "تشيونج وا-ديه".
في أثناء الاجتماع، تعهد الرئيس لي جيه-ميونج بمواصلة سياسة المصالحة تجاه كوريا الشمالية، التي انتهجها زعماء الحزب الديمقراطي الكوري السابقون، لتحقيق تقدم في العلاقات بين الكوريتين. وقال: "يبدو أن حالة العداء والمواجهة من جانب كوريا الشمالية قد وصلت إلى مرحلة لا يمكن معها العودة عنها بجهود عام أو عامين فحسب، أو بمجرد تغيير في المواقف، وينبغي مواصلة سياسة التعايش السلمي بين الكوريتين، بما في ذلك، سياسة الانفتاح بدون انقطاع".
وطلب لي من مون تقديم النصيحة له، ولعب دور في تحقيق إنجاز في العلاقات الكورية الراكدة. ومن جانبه، أشار الرئيس الأسبق مون إلى عدم استجابة بيونج يانج لمبادرات الحوار التي أطلقتها سول، واقترح أن فرصة استئناف الحوار مع الشمال قد تظهر إذا سعى الجنوب إلى الحوار بصبر، وأدار الوضع الأمني بثبات.
في وقت لاحق، صرح الرئيس لي جيه-ميونج بأنه "ينبغي تحويل اتفاق الهدنة الحالي إلى معاهدة للسلام من أجل ضمان مستقبل شبه الجزيرة الكورية"، مؤكدا أنه "برغم الانغلاق الشديد بالشمال إلا أنه سيجد حتمًا طريقًا لاحترام نظام وسيادة الكوريتين مع بعضهما البعض، والتعايش السلمي والتواصل الثنائي فيما بينهما".
على الجانب الآخر، سلطت كوريا الشمالية الضوء على إنجازاتها العسكرية إبان الحرب الأهلية، تزامنًا مع إحياء الذكرى الثالثة والسبعين لتوقيع اتفاق الهدنة.
ونشرت صحيفة رودونج سينمون ادعاءات تفيد بأن الحرب الأهلية الكورية كانت نتيجة غزو أمريكي، وحثت الصحيفة الشعب الشمالي على التسلح بروح قتالية قوية ضد الولايات المتحدة، مؤكدة عزم بيونج يانج على محاربة سول وواشنطن.
في الوقت نفسه، أكد الزعيم كيم ضرورة تعزيز القدرات الهجومية ضد أعداء بيونج يانج. جاء ذلك في أثناء إشرافه على تجربة قاذفة صواريخ متعددة، في سياق مشروع لتحديث قوات المدفعية والصواريخ ضمن خطة تطوير مدتها 5 سنوات.
وتتردد تكهنات بأن بيونج يانج قد تنظم عرضًا عسكريًا للاحتفال بيوم النصر، الذي يصادف يوم توقيع اتفاق الهدنة في 27 يوليو عام 1953. وجرت العادة أن تنظم كوريا الشمالية عرضًا عسكريًا للاحتفال بهذه المناسبة كل خمس أو عشر سنوات.
في عام 2023، نظمت بيونج يانج عرضًا عسكريًا ضخمًا بمناسبة الذكرى السبعين للهدنة، وعرضت طائرات مسيرة متطورة جديدة، وصواريخ بعيدة المدى، بما في ذلك الصواريخ الباليستية العابرة للقارات: "هواسونج-17" و"هواسونج-18".
[email protected]