الأوكتاجون.. حين أصبحت القوة عنوانًا للسلام

5-7-2026 | 13:04

هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تُقاس بحجم المباني التي تُفتتح، وإنما بما ترمز إليه من تحولات في مسيرة الدولة. وافتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة "الأوكتاجون" هو إحدى تلك اللحظات الفارقة؛ لأنه لم يكن مجرد افتتاح لمركز قيادة عسكري، بل إعلاناً عن اكتمال فلسفة بناء الدولة المصرية الحديثة، ورسالة سياسية واستراتيجية تقول إن مصر التي أعادت بناء مؤسساتها، أصبحت تمتلك أيضاً العقل الذي يدير قوتها ويحمي مستقبلها.

ليست كل المباني تُشيَّد من الخرسانة والحديد، فبعضها يُبنى من دروس التاريخ. والأوكتاجون واحد من تلك الصروح التي شيدتها مصر من ذاكرة الحروب، وتجربة الإرهاب، ودروس الفوضى، وإيمانها بأن السلام لا تصنعه النوايا وحدها، بل تحميه القوة، وتديره الحكمة.

وإذا كان التاريخ المصري قد عرف عبورين غيّرا وجه الوطن؛ أولهما عبور قناة السويس عام 1973 الذي استعاد الأرض والكرامة، وثانيهما عبور الثلاثين من يونيو الذي استعاد الدولة من براثن الفوضى والإرهاب، فإن افتتاح"الأوكتاجون" يمكن اعتباره بحق العبور الثالث؛ عبوراً نحو دولة المستقبل، حيث تتكامل التنمية مع الأمن، والعمران مع الردع، والتكنولوجيا مع القرار الاستراتيجي.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن يفتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي هذا الصرح في قلب العاصمة الجديدة، بل أوضح بنفسه فلسفة هذا الاختيار عندما قال:"لم يكن اختيار العاصمة الجديدة مقراً لهذا الصرح مصادفة، بل هو تجسيد حي لركائز الجمهورية الجديدة." فالعاصمة ليست مجرد انتقال جغرافي، وإنما انتقال في طريقة إدارة الدولة، كما أن القيادة الاستراتيجية ليست مجرد مبنى، بل انتقال في طريقة إدارة الأمن القومي.

لقد قدّم الرئيس تعريفاً بالغ الأهمية لهذا الكيان عندما أكد أن القيادة الاستراتيجية"ليست معنية بإدارة المواقف العسكرية فحسب، بل هي ركيزة أساسية في قدرة الدولة على مواجهة التحديات والظروف الاستثنائية وفق رؤية شاملة ونظم متطورة." وهنا تتجلى الفلسفة الجديدة للدولة المصرية؛ فالحروب لم تعد تبدأ بإطلاق الرصاص، وإنما تبدأ بالمعلومات، وبالاقتصاد، وبالهجمات السيبرانية، وبالفوضى، وبالحروب غير التقليدية. ومن ثم، فإن امتلاك مركز قيادة بهذا المستوى هو امتلاك لقدرة الدولة على استباق الأزمات، لا مجرد التعامل معها.

ولعل أكثر ما لفت الانتباه في كلمة الرئيس أنه لم يتحدث عن القوة باعتبارها غاية، وإنما باعتبارها وسيلة لحماية السلام. ففي واحدة من أقوى عبارات الخطاب قال: "حماية الأوطان مسؤولية لا تحتمل التهاون.. وأن حدود مصر خط أحمر تحميه إرادة شعبها ويصونه رجال قواتها المسلحة.. والدولة لن تسمح أبداً بالمساس بمقدرات شعبها، مع تمسكها بالسلام لمن يريد السلام، ولن تنحني إلا لله سبحانه وتعالى".

إنها معادلة مصرية واضحة: قوة تردع، لا قوة تعتدي؛ جيش يحمي، لا جيش يحتل؛ ودولة تمد يدها للسلام، لكنها تمتلك القدرة على الدفاع عن نفسها في عالم لم يعد يعترف إلا بالأقوياء.

ولم يكن الربط بين افتتاح القيادة الاستراتيجية والذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو مجرد توافق زمني، بل كان رابطاً مقصوداً. فالرئيس أعاد التذكير بأن تلك الثورة "كانت صرخة حق، وإعلانًا مدويًا بأن مصر لا تُحكم إلا بإرادة أبنائها"، ثم مضى إلى ما هو أبعد من ذلك عندما استعاد تفاصيل أحداث عامي 2011 و2013، ومحاصرة مؤسسات الدولة، ليكشف للمرة الأولى أحد أهم الدوافع الاستراتيجية لإنشاء العاصمة الجديدة، قائلاً إن ما حدث آنذاك أثبت ضرورة خروج مؤسسات الدولة من العاصمة القديمة، حتى لا تتعرض مجدداً لضغوط أو محاولات لشل إرادتها.

بهذا التفسير، يصبح"الأوكتاجون" جزءاً من رؤية أشمل لحماية الدولة، وليس مجرد مقر قيادة للقوات المسلحة. إنه أحد أعمدة الجمهورية الجديدة التي أرادها الرئيس محصنة ضد تكرار أخطاء الماضي، وقادرة على الاستمرار مهما كانت طبيعة التحديات.

ولعل أكثر ما يميز خطاب الرئيس أنه لم ينظر إلى الأمن بمعزل عن التنمية. فقد ذكّر بحجم الأزمات التي واجهتها مصر؛ من الحرب على الإرهاب، إلى جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الأوكرانية، ثم الحرب في غزة، وأخيرًا التصعيد مع إيران، وما ترتب على ذلك من خسائر تجاوزت 10 مليارات دولار في إيرادات قناة السويس وحدها. ومع ذلك، أكد أن الدولة لم توقف مشروعها التنموي يومًا، وأنها خاضت معركتي البناء ومكافحة الإرهاب في وقت واحد.

وهنا تتضح فلسفة "الأوكتاجون": فلا تنمية بلا أمن، ولا أمن بلا اقتصاد قوي، ولا اقتصاد بلا دولة مستقرة. ولذلك لم يكن غريبًا أن ينتقل الرئيس في الخطاب نفسه من الحديث عن القيادة الاستراتيجية إلى الحديث عن محطة الضبعة النووية، وبرامج الإصلاح الاقتصادي، وتعزيز دور القطاع الخاص، ومكافحة الفساد، وتطوير الإعلام والتعليم، باعتبارها جميعاً مكونات لمعركة واحدة هي معركة بناء الدولة.

كما حمل الخطاب رسالة خارجية لا تقل أهمية عن رسالته الداخلية. ففي الوقت الذي أكد فيه الرئيس دعم مصر لكل جهود وقف الحروب، وأشاد بالجهود الدولية للتوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار، عاد ليؤكد أن السلام الحقيقي في الشرق الأوسط لن يتحقق إلا بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وأن"لا سلام دائم، ولا استقرار حقيقي، ولا تطبيع شعبي، إلا بسلام عادل ينهي الاحتلال ويعيد الحقوق إلى أصحابها."

إنها الرسالة ذاتها التي ترسلها مصر من"الأوكتاجون": دولة تمتلك القوة، لكنها تستخدمها لحماية السلام، لا لفرض الهيمنة؛ دولة تعرف قيمة الحرب لأنها دفعت ثمنها، ولذلك تجعل السلام خيارها الأول، لكنها لا تسمح بأن يكون السلام مرادفاً للضعف.

ويبقى المشهد الختامي للاحتفال معبرًا عن هذه الفلسفة؛ فعندما رسمت الطائرات المسيَّرة في سماء العاصمة عبارة "تحيا شعوب العالم المحبة للسلام"، كانت تختصر مضمون اليوم كله. فمصر لا تحتفل بمنشأة عسكرية لتبعث برسالة حرب، وإنما تحتفل بميلاد عقل استراتيجي يحمي السلام بقوة، ويحمي التنمية بالردع، ويحمي الدولة بالإرادة.

وهكذا، فإن "الأوكتاجون" ليس مجرد مبنى، بل عنوان لمرحلة جديدة من تاريخ الدولة المصرية؛ مرحلة بدأت باستعادة الأرض في أكتوبر، ثم استعادة الدولة في يونيو، وتصل اليوم إلى استكمال بناء القوة الشاملة للجمهورية الجديدة. إنه العبور الثالث.. عبور من بناء الدولة إلى بناء المستقبل، ومن حماية الحدود إلى حماية المصير، ومن امتلاك القوة إلى حسن إدارتها. وهذه هي الرسالة التي أرادت مصر أن يسمعها العالم: دولة لا تبحث عن الصدام، لكنها أصبحت مستعدة لكل الاحتمالات، تؤمن بأن السلام قيمة عظيمة، لكنها تدرك أيضاً أن السلام لا يحميه إلا وطن قوي، وجيش قوي، وإرادة لا تعرف المستحيل.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة