أكثر الظواهر إثارة للحيرة في مشهدنا الثقافي الراهن، وأعمقها دلالة على طبيعة الداء العضال الذي استشرى في ذائقتنا العامة، هي ذلك الانقلاب المهول في سلم القيم. انقلاب غدت معه الكتابة الرديئة، المجردة من أي حس فني أو رهافة روحية، أقرب إلى أيقونة مقدسة يشار إليها بالبنان، وتدرس في المحافل كما لو كانت النموذج الأسمى للإبداع الرفيع.
هذا التغيير الخطير الذي صار فيه الجدب الفكري دليلاً على الأصالة، والركاكة برهاناً قاطعاً على العبقرية، ليس زلة ذوق عابرة، ولا هفوة يمكن التغاضي عنها، بل هو عرض جوهري لمرض مزمن أصاب جسد الثقافة العربية في مقتل. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا، بكل شجاعة وتجرد، هو كيف حدث هذا؟ كيف استطاعت الرداءة أن تنتصر هذا الانتصار الساحق على الجودة، في سوق الكتاب، وفي صميم وعي القراء ووجدانهم؟
الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون بسيطة أو أحادية، فالظاهرة ليست وليدة سبب واحد يتيم، إنما هي حصيلة جملة من العوامل المتشابكة التي تضافرت وتكاملت، حتى صنعت هذا المناخ الموبوء الذي صرنا نتنفس فيه جميعاً؛ كتاباً وقُراءً ونقاداً، من دون أن يمتلك أحدنا القدرة على الاحتجاج، أو يخطر بباله مجرد الالتفات. تحليل هذه العوامل يكشف عن آليات اشتغال المرض في الجسد الثقافي، ويمكننا من فهم دينامياته الداخلية.
العامل الأول، وهو الأساس الذي قام عليه ما تلاه، يتمثل في ذلك الداء الذي أسماه النقاد القدامى "فساد الذوق". والذوق، في تصورنا، ليس مجرد ملكة فردية معزولة، إنه ظاهرة اجتماعية تنتقل بالعدوى انتقال الوباء الفكري. والمجتمع الذي يصاب ذوقه العام بالفساد، يصبح عاجزاً عن التمييز بين الغث والسمين، وبين النفيس والخسيس. وفي هذه الحالة، يغدو القبح هو المعيار السائد والمألوف، بينما يصبح الجمال استثناءً مريباً مثيراً للشكوك. صحيح أننا نعرف من تاريخ الأدب العربي أن الذائقة العامة تمرض أحياناً، فتميل إلى الزخرف اللفظي الأجوف، وتفضل السهل المبتذل على الصعب العميق، وتصفق بحماسة للمباشر الفج على حساب الفني المراوغ المقتصد. لكن ما نعيشه الآن ليس مجرد ميل طارئ أو نزوة عابرة، بل هو انهيار كامل في جهاز المناعة الأدبية للمجتمع. لقد تم، بمنهجية صارمة، إفقاد القارئ القدرة على الشعور بالفارق بين ما هو أدب وما ليس بأدب، حتى غدا يظن أن العسل الشهي المصفى هو ذلك السكر المزيف المغشوش، وأن الشاي الأصيل هو ماء البقدونس المغلي، فقط لأن من يبيعونه له أكثر ثرثرة وأعلى صوتاً.
في هذا المناخ المسموم، يبرز العامل الثاني، وهو آليات ما يمكن تسميته بـ "صناعة الشهرة". لقد حل في ثقافتنا، كما حل في حياتنا الفنية والاجتماعية، منطق كمي صارم مفاده أن "الغالب هو الصحيح". لم يعد السؤال هل ما يكتبه فلان جيد حقاً؟ بل أصبح السؤال كم نسخة باع؟ وكم متابعاً له على منصات التواصل؟ وكم مرة تمت استضافته في المهرجانات؟ لقد تحولت الشهرة، في وعي القارئ، من مجرد ظاهرة اجتماعية إلى دليل مادي قاطع على الجودة والإبداع، وكأن التاريخ لم يعلمنا بأن الرديء قد يشتهر أحياناً أكثر من الجيد، وأن الجمهور، في أحيان كثيرة، يعاقب العبقري وينبذه، ويحتفي بالمبتذل ويحتفل به. القارئ الذي تتعالى عليه الضجة الإعلامية، ويفرض عليه منطق السوق هذا الكاتب أو ذاك، يبدأ شيئاً فشيئاً في الشك في ذائقته هو، وفي عقله النقدي. يقول في سره، وفي عينيه غصة المغلوب على أمره؛ لا بد أن المشكلة عندي أنا، لا بد أنني لا أفهم، فكيف يكون كل هؤلاء مخطئين وأكون أنا المصيب وحدي؟! هذه الجملة، التي يرددها القارئ في أعماقه، هي اللحظة الحاسمة التي يموت فيها النقد الفردي والعقلانية النقدية، ويحل محلهما الاستسلام الأعمى للقطيع.
وهنا، في هذه اللحظة الفارقة، التي كان يفترض أن يتدخل الناقد ليقول كلمة الحق، أن ينتصب في المشهد من يملك الجرأة الأدبية والشجاعة الأخلاقية ليهتف في وجه الجماهير المصفقة، كما هتف طفل أندرسن البريء: "الملك عارٍ!". لكن ما حدث، للأسف، هو أن النقاد، أو من يسمون أنفسهم بذلك، آثروا الصمت، كما آثروا ما هو أخطر، التطبيل والتبرير. لقد تحولت وظيفة النقد، في أيدي الكثيرين، من وظيفة تحليلية كاشفة إلى وظيفة تجميلية زائفة. تحول الناقد من عقل نقدي فاعل إلى مبرر اجتماعي، لا هم له إلا أن يجد المخارج والتأويلات التي تبرر للرديء رداءته، وتضفي على الفراغ الفكري هالة من العمق المزعوم. إنه ما أسميه بـ "الجبن النقدي"، وهو جبن يغلفه أصحابه بعبارات براقة عن "الموضوعية" و"احترام التجربة" و"تشجيع المواهب الجديدة"، كأن تشجيع الموهوب يكون بالكذب عليه، وكأن احترام التجربة يتحقق بخيانة الأمانة النقدية. لقد سكت النقاد، أو غُيبوا، تاركين القارئ أعزل وحيداً، فريسة سهلة لآخرين لا علاقة لهم بالأدب، ولكنهم يملأون الدنيا صياحاً وضجيجاً.
وهذا الصياح يقودنا إلى العامل الرابع، وهو آلية التملق الجماعي أو ما يشبه "الإرهاب الفكري". في ظل غياب النقد، لا يبقى الرديء رديئاً فحسب، لكنه يتحول إلى عقيدة مغلقة لا تجوز مناقشتها. يصبح الإعجاب بهذا الكاتب أو ذاك فرضاً ثقافياً، وعلامة على الانتماء إلى النخبة المتنورة. من لا يصفق يصبح مارقاً، ومن يتساءل عن مواطن الإبداع في هذا الهراء يصبح متهماً بقلة الفهم، أو خبث الطوية، أو الحسد الدفين. إنه ضرب من الاستلاب الفكري المهين، يجبر القارئ البسيط على أن ينضم، رغماً عنه، إلى جوقة المادحين، لا عن اقتناع، إنما عن خوف من أن يوصم بالتخلف، أو أن يعزل ثقافياً. وهكذا تتسع دائرة النفاق الأدبي اتساعاً مرعباً، يرتفع معها منسوب الضجيج حتى يغطي على كل صوت شريد يحاول أن يقول "لا".
وعندما تصل الأمور إلى هذا الحد، يكون المجتمع الأدبي قد نضج تماماً لاستقبال العامل الخامس، وهو تحويل الركاكة إلى معيار. حيث تنخفض المعايير إلى أدنى مستوياتها، بالتدرج البطيء والتكرار القاتل والتعود المخدر. يصبح السهل المبتذل هو النموذج الذي يحتذى، ويصبح المطبخ الأدبي معروفاً ومكشوفاً: جمل قصيرة مبتورة كأنها تغريدات، وأفكار مستهلكة تقدم على أنها اكتشافات كونية، ونرجسية طاغية يظن جاهلاً أنها صدق فني. أي شخص على الإطلاق، يمكنه أن يكتب على هذا الشرط. ليس مطلوباً منه موهبة خاصة، ولا لغة رفيعة، ولا خيالاً خصباً. المطلوب فقط أن يتقن لعبة المرايا، وأن يعرف كيف يمسح على غرور القارئ، لا أن يتحداه ويرتقي به. إنها كتابة لا ترتقي بالقارئ، تنزل إليه في القاع لتؤنس وحدته هناك، كتابة لا تتعب فكره أو تستفزه، لكن تريحه في كسله الذهني. وهكذا يصبح الأدب الرفيع هو الغريب، المنبوذ، المذنب الذي يجب أن يعتذر عن وجوده.
وأخيراً، وليس آخراً، يأتي العامل السادس والأخطر حيث يتزاحم الأدعياء على مقاعد الحكم النقدي. في غياب النقاد الحقيقيين، وفي ظل فراغ الساحة من المرجعيات الفكرية الرصينة، يظهر على المسرح من لا علاقة لهم بالأدب لا من قريب ولا من بعيد. "مؤثرون" على وسائل التواصل، وإعلاميون لا يقرأون، ومشاهير لا علاقة لهم بالإبداع إلا علاقة المستهلك بالسلعة. هؤلاء أصبحوا، بفعل الفراغ البنيوي ومنطق السوق، نقاداً يوجهون الذائقة العامة، ويطلقون الأحكام، ويوزعون صكوك العبقرية والخلود. إنهم جماعة "التوكيل"، أوكلهم الجمهور المذهول ليفكروا نيابة عنه. أصواتهم عالية، وصورهم براقة، وخطابهم فارغ لكنه جذاب ومخادع. إنهم الحلقة التي تربط بين المنتج الرديء والمستهلك الكسول، وبفضلهم تكتمل دائرة الانحطاط، ويصبح الزيف هو الحقيقة، والوهم هو الواقع الوحيد.
هكذا إذن، نجد أنفسنا أمام ظاهرة مركبة معقدة، لا يمكن اختزالها في كاتب أو كتاب. إن ما نعيشه ليس مجرد أزمة إبداع فردي، لكنه، للأسف، انهيار في منظومة القيم الأدبية برمتها. إنها أزمة ذائقة، وأزمة نقد، وأزمة شجاعة أخلاقية، وأزمة تربية، وأزمة إعلام. وفي قلب هذه الأزمات المتداخلة، تضيع الحقيقة الأدبية، ويترك القارئ الجاد وحيداً، غريباً في وطنه الثقافي، يتساءل في صمت مرير هل هذا هو الأدب حقاً؟ أم أنني أنا الذي بت لا أفهم؟
والكارثة الكبرى أن هذه الظاهرة ليست قدراً محتوماً، ولا هي ناتجة عن عوامل طبيعية لا يد للإنسان فيها. إنها صنيعة بشرية خالصة، قامت على تواطؤ جماعي، صمت عنه من كان ينبغي أن يتكلم، وتكلم فيه من كان ينبغي أن يصمت، وصدقه من كان ينبغي أن يشك، وشك فيه من كان ينبغي أن يصدق. وحتى نخرج من هذا النفق المظلم، لا بد من استعادة الشجاعة أولاً، شجاعة القول الفصل بأن الرديء رديء، مهما بلغت شهرة صاحبه. ثم استعادة النقد، نقداً حقيقياً لا يجامل ولا يداهن، تكون وظيفته الأولى تحليل البنى وكشف الأنساق لا تبريرها وتجميلها. ثم وأخيراً، استعادة القارئ لاستقلاله الفكري، وثقته في ذائقته، ورفضه القاطع أن يكون تابعاً ذليلاً في مملكة العميان.