12 عامًا واجهت خلالها مصر ظروفًا وتحديات جسام. كان الوطن يصارع للنجاة من طوفان وأعاصير. خلال تلك السنوات لم يكن ترتيب الأولويات رفاهية متاحة، بل فرضته طبيعة اللحظة التاريخية. كان الهدف الأول هو الحفاظ على بقاء الدولة، ومنع انهيارها، باعتباره شرطًا سابقًا لأي مشروع تنموي أو اقتصادي، فلا تنمية في دولة غير مستقرة، ولا ازدهار في ظل الفوضى.
رغم الاتفاق على أهمية الحفاظ على بقاء الدولة، فإن الخلاف يبدأ عند تفسير معنى هذا البقاء وكيفية تحقيقه. هناك من يراه بمنظور ما كان حادثًا قبل ثورة يناير ٢٠١١، بتجنب الأزمات أكثر من صناعة المستقبل، وتوافر السلع والخدمات بلا قفزات سعرية، إضافة إلى علاقات دولية هادئة حتى إن كان ذلك يجري على حساب تآكل ثقل الدولة على الساحة العالمية.
على الجانب الآخر، هناك من يرى ما جرى بمصر خلال الـ12 عامًا الماضية أنه من أكبر عمليات التحول الاقتصادي وإعادة تشكيل المشهد السياسي والإداري للدولة.
على المستوى الاقتصادي، شهدت مصر استثمارات ضخمة في الطرق والكباري والمطارات وشبكات الكهرباء والغاز، وإنشاء المدن الجديدة، وتطوير الموانئ، وتهيئة بيئة الاستثمار، واستعادة الاستقرار المالي، ولكنه أدى أيضًا إلى موجات تضخم وانخفاض في القوة الشرائية للمواطنين.
على الجانب السياسي، جرى تعزيز العلاقات مع دول الخليج والصين وروسيا، والحفاظ على الشراكة مع الولايات المتحدة. كما شهدت العلاقات مع دول الجوار تحولات مهمة، وزاد الانخراط في القضايا الإفريقية.
اختلاف تقييم هذه المرحلة أمر طبيعي. من ينظر إليها بمنظور الدولة يرى أنها أعادت تحديث بنية أساسية كانت تعاني تراكمات لعقود، وعززت الأمن القومي، ورفعت جاهزية الاقتصاد لاستقبال استثمارات أكبر في المستقبل. أما من ينظر إليها بمنظور المواطن فيقيس نجاحها بقدر ما انعكس على مستوى المعيشة والأسعار وفرص العمل وجودة التعليم والرعاية الصحية.
الحقيقة أننا أمام مستويين مختلفين للتقييم؛ فالدولة تعمل وفق أهداف استراتيجية تمتد آثارها لعقود، بينما ينشغل المواطن بطبيعة الحال بما يلامس حياته اليومية بصورة مباشرة. وبين هذين المنظورين تنشأ فجوة مؤقتة كثيرًا ما تصاحب تجارب التحول الكبرى في الدول.
يختلف تقييم الفترة باختلاف زاوية النظر إليها؛ فمن يركز على استقرار الوطن وقدرته على النمو يرى أنها فترة تحول تاريخي، بينما من يركز على مستوى المعيشة والدخل فقط يرى أن الإنجازات الاقتصادية لم تنعكس بعد بالقدر الكافي على الحياة اليومية للمواطنين.
مصر اجتازت بالفعل مرحلة الخطر التي كانت تتعلق ببقائها واستقرارها، لكنها لم تحسم بعد معركة الازدهار الاقتصادي. ويبقى أن التاريخ لا يصدر أحكامه أثناء معارك البناء، وإنما بعد اكتمالها. وإذا كانت مصر قد نجحت في معركة البقاء، فإن التحدي الحقيقي هو الاستمرار في تحويل ما تم إنجازه إلى رخاء يشعر به المواطن، وهو ما أعتقد أنه سيحدث قريبًا.