ما بين أبي وابني

2-7-2026 | 11:38

مات أبي، عليه رحمة الله ورضوانه، منذ ست سنوات ونصف، وما بين الحين والآخر أتذكره وأدعو الله له بالرحمة والمغفرة؛ دعاء قد يتكرر عددًا من المرات في اليوم، بخلاف دعاء السجود في كل صلاة.

أمر يحدث مع الكثير منا؛ ولكني أخذت أبحث عن السبب؛ فوجدت أبي السبب فيما يحدث!

 كيف؟!

كلما نظرت لابني "أولادي"، شعرت تجاهه بسيل جارف من الحب؛ هكذا هو حب لوجه الله فطرة الله سبحانه وتعالى. إذا قلت إنه ابن بار ومدحت فيه؛ قد يقول البعض إنني أجامل ابني، ولكنها الحقيقة، وحتى هذا البر اجتهدت في تفسيره.

هذا السيل الجارف من الحب تجاه ابني؛ هو نفس شعور أبي عليه رحمة الله نحوي. ولا أبالغ حينما أتذكر مواقف حدثت بيني وبين أبي، تحدث بالضبط بيني وبين ابني. مشاهد تتكرر بنفس الدقة.

وأنا في مثل عمره؛ كنت أحب أن أخفف عن أبي بعض الأمور؛ منها ألا يسير على قدميه لمسافة ولو قصيرة. هذا ما يصمم عليه ابني؛ لولا أن أقنعته بأن السير رياضة أحتاجها في أوقات كثيرة.

وعشرات بل مئات من المواقف تتكرر. حتى الخلاف فيما بيننا، كان نفس الخلاف فيما بين والدي وبيني. حينما يرى أمرًا وأرى غيره. وقتها كنت أقول في نفسي لماذا هذا التعنت إن أبي من جيل آخر ولا يعلم بتطورات الحياة. وكنت أشعر ببعض الغضب، ولكن سرعان ما يزول؛ سواء برؤية حقيقة وجهة نظره أو مرور الوقت. 

لكن أشهد الله أنني اقتنعت بكل ما كان يراه حتى بعد مرور عقود على ما حدث.

كانت تحرك أبي عاطفة الأبوة الممزوجة بالعشق؛ ولذلك كان حريصًا على أن أكون في أفضل حال. وهذا ما يحدث مع ابني!! 

أحيانًا نختلف في وجهات النظر. عندما أعجز عن إقناعه أتذكر أبي عليه رحمة الله، فأدعو الله بالرحمة، كما أتذكر قول الرحمن الرحيم "وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا" سورة الإسراء الآية 24. وفي تلك الآية عبر كثيرة نتطرق إليها في مقال منفصل.

وهنا عبرة لابد من التوقف عندها؛ ألا وهي انقطاع عمل ابن آدم بعد وفاته إلا من ثلاث. منها ولد صالح يدعو له. وهنا بكل تأكيد صلاح الولد يعود للأب، فهل يمكن أن يدعو ولد غير صالح لأبيه؟!

سؤال أعتقد أن غالبية حضراتكم تعرفون إجابته، إذن فصلاح الولد الفضل فيه للأب ولذلك عاد عليه هذا الصلاح بالدعاء له بعد مماته.

ونعلم أن الدعاء يغير القدر؛ فلكل ابن لم يعط والده حقه في حياته أيًا كان السبب؛ سفرك، عملك، أو أي شيء آخر. 

عليكم بالدعاء لوالديكم بالرحمة والمغفرة من قلوبكم، وألحوا على الله بدعائكم لهما؛ ففي الدعاء فضل كبير في الفوز برحمة الله، ويمكن أن ينقلهم لدرجة أفضل في الحياة الآخرة.

واعلم عزيزى القارئ يقينًا أن إخلاصك في تربية أبنائك لن يضيع في الدنيا والآخرة أيضًا؛ فالتربية الصحيحة والإخلاص فيها من شأنه أن يربي ولدًا صالحًا، والولد الصالح هو زينة الحياة الآخرة؛ فكل دعوة تدعوها من قلبك لأبويك من شأنها أن تعود عليهم بالرحمة، وهم في أشد الحاجة لدعائك؛ فقد انقطع عملهم، وبات الرجاء موصولاً بك لترفع قدرهم. 

والولد الصالح هنا يعني الذكور والإناث؛ فجمعهم هو الولد.

 واعلم عزيزي القارئ أنك ستحصد ما تزرع؛ زرعت خيرًا ستحصده، وكذلك الجزاء من جنس العمل.. فهنيئًا لمن ربى ولده وراعى فيه ربه.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: