ثمانٍ وأربعون ساعة تفصلنا عن المواجهة المرتقبة بين منتخب مصر لكرة القدم ومنتخب أستراليا في دور الـ32 من بطولة كأس العالم 2026، وبينما كان من الطبيعي أن يقضي الشعب المصري الساعات والأيام الماضية في فرحة عارمة، بالصعود إلى الدور الثاني في البطولة للمرة الأولى في تاريخنا، إلا أ نما حدث كان شيئًا آخر عجيبًا، محيِّرًا.
هجوم شديد، غريب، غير معتاد أو واضح الأسباب، على المدرب الوطني حسام حسن، وتدخل سافر - بفهم أو جهل- في كل تفصيلة وقرار، من اختيارات اللاعبين إلى التبديلات، ومن خطط اللعب إلى الفنيات.
تقول لهؤلاء: انتبهوا.. لقد فزنا، وصعدنا، وأحرزنا خمسة أهداف في المونديال، بأداء هجومي ممتع وليس حشد اللاعبين أمام منطقة الجزاء، وكل ما سبق -انتبه- يحدث «لأول مرة».. وكرة القدم لعبة لا تخلو من الأخطاء، بل إنها تقوم عليها؛ على مراجعتها في فريقك، واستغلالها عند الخصوم..
ونحن حتى الآن في المحصلة ناجحون، ومتفوقون، أصبح لدينا فريق فرضَ على الكل احترامه.. فلماذا إهالة التراب على الصورة وبكل هذه الحدة؟!
تحتار، تسألهم لتفهم منطقهم، لعلهم يرون ما لا تراه، ربما يوجهون عينيك إلى جوانب خافية. لماذا لا؟! أنت لا تملك الحقيقة المطلقة -تقول لنفسك- وقد اعتدتَ سماع كل الآراء على تناقضاتها، من السياسة إلى الكرة.
ولكن.. تأتيك الإجابات كاشفة، تفتح عينيك بالفعل على الحقيقة؛ حقيقة الدوافع الشخصية الخفية لما يقال من آراء تسعى بشق الأنفس إلى ارتداء ثياب الموضوعية، لكن هذه لا تبدو أمامك إلا بالية ممزقة مهترئة.
الحقيقة أن هؤلاء يكرهون حسام حسن.. تلك هي المسألة فحسب.. لكن من هم؟!.. ولماذا يكرهونه؟!.. إنهم ليسوا قطاعًا واحدًا، كما يشاع، إنما قطاعات عدة متباينة الأهداف والأغراض.
بينهم طيبون حسنو النية لكن أعماهم التعصب لأنديتهم ولاعبيهم ممن لم يتم ضمهم إلى المنتخب، وبينهم -وهذا الأسوأ- أصحاب مصالح في كرة القدم يزعجهم بالطبع أن ينجح قائدٌ قادمٌ من خارج منظومتهم، وبينهم أيضًا -وهذا هو الأخطر- من يغذون كل ذلك الغضب في الخفاء باسم الكرة، حتى لا يفرح هذا الشعب، أو ترتفع روحه المعنوية بأي صورة.
وعندما تواجههم برأيك بوضوح وقوة؛ يباغتونك، يشنون هجمة مرتدة عليك تُعجزك، يحاصرونك في نصف ملعبك؛ ملعب الأفكار الذي تحاول أن تؤدي فيه بضمير، يصرخون في وجهك ووجه مَن مثلك قائلين: أتريدون منعنا من الحديث بحرية حتى في شئون الكرة؟! أتعتبروننا خونة للوطن لأننا انتقدنا مدرب المنتخب؟! ألا يرضيكم منا سوى الخرس؟!
يا إلهي.. ما أقساه من اتهام.. إنني -بصدقٍ- لا أحتمله.. لا يمكن أن أطالب إنسانًا بأن يصمت أيًّا كان ما سيقوله، لكن.. أنت.. كلامك.. يا للحيرة!.. يا لسؤال الحرية!
انظر يا عزيزي.. أنا لا أريدك أن تصمت.. تكلم.. لكن كلامك ينكر أرقامًا وأحداثًا وتاريخًا أو يشكك.. فكيف نلتقي؟!..
كلامك يعتبر إشراك لاعب لم يظهر بالمستوى أو عدم منح الفرصة لآخر كان يستحقها يعد من قبيل «الخطايا الأخلاقية الكبرى»، التي تُسقط «قناع الزيف» عن منظومة المنتخب!
يا سلام؟!.. ما كل هذا اليقين؟!.. ما مصدره؟!.. والأهم هو: لماذا كل هذا الغضب؟!.. ما منبعه؟!
ورغم ذلك؛ تكلم. تكلم طبعًا. عبِّر عن رأيك.
أقولها لك بصدق. لكنك في المقابل مطالبٌ أيضًا بأن تدعني أعبِّر عن رأيي.. وليتقابل الرأيان في ملعب الأفكار، بعيدًا عنا؛ أنت وأنا، دون شخصنة.. وليكن الفوز للمنطق!
من حقك أن تعلن رأيك.. ومن حقي ألا أجد فيه شيئًا ذا قيمة يستحق المناقشة.. من حقك أن ترى كلامي طنطنة أو نفاقًا أو دغدغة للجماهير.. ومن حقي أن أرى كلامك سطحيًّا فارغًا بلا معنى.. تكلم يا عم!
هناك كلام يمكن أن نختلف معه لكن نحترمه، لأنه يكون ذا منطق ورؤية.. وهناك كلام لا يستحق من الأصل الالتفات إليه؛ عبثٌ مناقشته.. لا يمكن أبدًا أن أمنعك من أن تقول كلامك.. لكنني لا يمكنني أيضًا أن أغالط عقلي فأقنعه جبرًا بأن الكلام فيه ما يفيد أو يهم.. أنت حر.. وأنا أيضًا حر.. أم أنك تريد أن تكون حرًّا وحدك؟!
إنها «قمة الحيرة والحرية» التي انشغلنا بها بعبثية، دون القمة الحقيقية؛ لقاء الجمعة، الثالث من يوليو، «موقعة دالاس الكروية»، التي يواجه فيها النسر المصري الكنغر الأسترالي.
ليلة تاريخية ينتظرها المصريون ببهجة، يحدوهم بالطبع الأمل، لكن لا يعوزهم التعقل، يحركهم في كل الأحوال شعورٌ بالرضا والقبول، والامتنان أيضًا لهذا الجيل، الذي أسعدنا بحق، وننتظر منه أن يسعدنا أكثر، بعد يومين، أو في المستقبل، لا يهم، فقد فرحنا، عشنا لحظاتٍ من السعادة الصافية حركت بركًا كانت قد ركدت منذ سنين داخلنا. فلهم جميعًا نقول: شكرًا.
أخيرًا.. الكاتبة الدكتورة غادة لبيب تقول في كتابها: «تحت سطح العالم.. ستون يومًا في أستراليا»، إن الدولة الأسترالية تضع على شعارها الرسمي صورتي الكنغر وطائر «الإيميو» سريع الجري، الشبيه بالنعامة ولا يطير مثلها، متقابلتين، في رمزية إلى تقدم أستراليا للأمام دائمًا، إذ إن كلًّا منهما لا يقفز أبدًا إلى الخلف!
هكذا ينظر الجادُّون إلى المستقبل، لا ينشغلون بالمعارك العبثية، يمضون في طريقهم، لا يلتفتون إلى الوراء، وهذا ما تفعله حاليًا منظومة المنتخب المصري، وخلفها داعموها؛ أغلب المصريين، العاشقين، فلماذا لا نتطلع وننتظر أن يحلق النسر المصري عاليًا في سماء الحلم، مساء الجمعة، بينما يبقى الكنغر والإيميو معًا على الأرض؟!