عُمان تراهن على السلام

1-7-2026 | 12:41

وسط منطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ عقود، تواصل سلطنة عُمان، في ظل قيادة السلطان هيثم بن طارق، تقديم نموذج مختلف في إدارة السياسة الخارجية، نموذج لا يقوم على الاستقطاب، ولا على سياسة المحاور، بل على الإيمان بأن الحوار يظل الطريق الأقل كلفة والأكثر استدامة؛ لتحقيق الأمن والاستقرار. وبهدوء مسقط المعتاد فقد بددت المخاوف حول مستقبل مضيق هرمز، وأكدت التزامها بقواعد القانون الدولي.

وفي لقاء خاص مع إذاعة مونت كارلو الدولية عشية الزيارة التي يقوم بها سلطان عمان هيثم بن طارق إلى فرنسا، أكد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي أن سلطنة عمان ترفض فرض رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز باعتبار أن ذلك "محرم دوليًا"، وإذ لم يستبعد إمكان بحث "خدمات بحرية" طوعية مع الشركات، شدد البوسعيدي على التزام بلاده بحرية الملاحة والقانون الدولي، كل ذلك في وقت تواصل فيه مسقط جهودها الدبلوماسية لخفض التصعيد في المنطقة وتنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة بين إيران والولايات المتحدة.

وفيما يتعلق بمستقبل المضيق، شدد الوزير العماني على أن بلاده حريصة على أن تبقى الملاحة في مضيق هرمز "آمنة وسليمة وحرة للجميع"، نظرًا إلى أهمية هذا الممر المائي للاقتصاد العالمي ولدول المنطقة، بما فيها إيران.

وأوضح أن الحوار القائم بين مسقط وطهران يقوم على ضرورة أن تكون أي تفاهمات مستقبلية منسجمة مع قواعد القانون الدولي، مشيرًا إلى أن سلطنة عمان ملتزمة باتفاقية قانون البحار، وأن أي ترتيبات جديدة في المضيق يجب ألا تخرج عن إطار الشرعية الدولية.

وحول الجدل الدائر بشأن احتمال فرض رسوم على استخدام المضيق، أكد البوسعيدي أن عمان لا تؤيد فرض أي رسوم على العبور، لكنه لم يستبعد إمكان بحث آليات تتعلق بالخدمات البحرية، مثل تعزيز سلامة الملاحة، والاستعداد للحوادث الطارئة، ومكافحة التلوث، على غرار نماذج مطبقة في مضيقي ملقا وسنغافورة.

وأضاف أن أي ترتيبات من هذا النوع ستتم بالتشاور مع الدول والشركات المستفيدة من الملاحة في المضيق، مؤكدًا أن الهدف يتمثل في تحسين الخدمات وضمان أمن الملاحة وليس فرض أعباء جديدة على حركة التجارة العالمية.

وقد جاءت تصريحات وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي لإذاعة مونت كارلو الدولية لتؤكد الرؤية العمانية بالرهان على الحوار مجددًا. فالرجل الذي قاد خلال السنوات الأخيرة جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، لم يتحدث باعتباره ممثلًا لدولة خليجية فحسب، وإنما باعتباره مدافعًا عن فكرة الدبلوماسية نفسها في زمن تتراجع فيه أمام لغة القوة.

وما يميز السياسة العمانية أنها لا تنظر إلى الوساطة باعتبارها دورًا تكتيكيًا أو محاولة لتحقيق مكاسب سياسية، وإنما باعتبارها جزءًا من هوية الدولة. فمنذ عقود نجحت مسقط في الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع أطراف متصارعة، وهو ما يمنحها مصداقية نادرة في منطقة اعتادت الانقسامات الحادة.

وتؤكد التجربة أن هذه السياسة لم تكن حيادًا سلبيًا، بل انخراط إيجابي يهدف إلى تقريب وجهات النظر ومنع الانزلاق نحو الحروب. ولهذا أصبحت السلطنة محطة رئيسية للمفاوضات السرية والعلنية، سواء في الملف النووي الإيراني أو في عدد من الأزمات الإقليمية الأخرى.

وفي حديثه، عبّر البوسعيدي عن أسفه لتعثر مسارات التفاوض في لحظات كانت فيها فرص التوصل إلى حلول حقيقية قائمة، معتبرًا أن تقويض الجهود الدبلوماسية لا يخدم الاستقرار الإقليمي ولا الأمن الدولي، وأن البديل عن التفاوض ليس سوى مزيد من التصعيد وعدم اليقين.

ولا تنطلق هذه الرؤية من اعتبارات أخلاقية فقط، بل من قراءة واقعية لطبيعة المنطقة. فالشرق الأوسط لم يعد يحتمل حروبًا جديدة، كما أن أمن الخليج لم يعد قضية محلية، بل أصبح مرتبطًا بأمن الطاقة والتجارة العالمية وسلامة الممرات البحرية.

ومن هنا، تبدو سلطنة عمان حريصة على بناء منظومة أمن إقليمي تقوم على الحوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، وهي مبادئ شكلت أساس السياسة الخارجية العمانية لعقود طويلة.

كما تكشف تصريحات وزير الخارجية العماني عن إدراك عميق بأن إعادة تشكيل المنطقة بالقوة العسكرية لن تحقق الاستقرار، وأن أي ترتيبات إقليمية لا تراعي العدالة السياسية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ستظل معرضة للانهيار مهما بدت قوية في بدايتها.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن القوة العسكرية تستطيع تغيير موازين القوى مؤقتًا، لكنها لا تستطيع إنتاج سلام دائم. أما الحوار، رغم بطئه وتعقيداته، فيبقى الوسيلة الوحيدة لبناء تفاهمات قابلة للاستمرار.

اليوم، وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، تبدو الحاجة إلى النموذج العماني أكبر من أي وقت مضى. فالدول التي تستطيع الحديث مع الجميع أصبحت أكثر أهمية من الدول التي تنحاز لطرف ضد آخر، والوسطاء الموثوقين أصبحوا أحد أهم عناصر الاستقرار في النظام الإقليمي الجديد.

ولعل ما يميز السياسة العُمانية في عهد السلطان هيثم بن طارق، هو الاستمرار في نهج “الحياد الذكي” الذي عُرفت به السلطنة لعقود. هذا الحياد كان تعبيرًا عن استقلال القرار الوطني، والقدرة على التواصل مع جميع الأطراف دون الانخراط في سياسة المحاور أو الاستقطابات الحادة.

وقد نجحت مسقط في تحويل هذا النهج إلى مصدر قوة حقيقية، فأصبحت واحدة من الدول القليلة القادرة على الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية المتنافسة في آن واحد، ولعل السر الأكبر في الاحترام الذي يحظى به السلطان هيثم بن طارق يكمن في أن عُمان لا ترفع سقف خطابها أكثر؛ مما تستطيع تنفيذه، بل تلتزم بسياسة ثابتة تقوم على الواقعية والهدوء والوفاء بالتزاماتها؛ ولذلك أصبحت الكلمة العُمانية تحظى بوزن خاص في الملفات الإقليمية والدولية الحساسة.

إن تجربة سلطنة عُمان تؤكد أن الحكمة ليست نقيضًا للقوة، بل قد تكون صورتها الأكثر تأثيرًا واستدامة. حين تقترن الحكمة بسيادة القرار، والاتزان بالاستقلالية، تصبح الدولة قادرة على فرض احترامها دون ضجيج.

وربما لهذا السبب، لم تعد سلطنة عمان مجرد وسيط في الأزمات؛ بل أصبحت مدرسة دبلوماسية تقدم درسًا مهمًا في أن الحكمة قد تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من القوة، وأن بناء الجسور بين الخصوم قد يصنع منجزات إستراتيجية تعجز عنها ميادين القتال.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: