في العصر الرقمي الحالي، تحولت تفاصيل حياتنا اليومية إلى أرقام وإحصاءات تلاحقنا عبر شاشات الهواتف والساعات الذكية. لم يعد النوم تجربة للاسترخاء، ولا الطعام مصدرًا للغذاء والمجالسة؛ بل أصبحت تفاصيلنا الحيوية خاضعة لرقابة صارمة من تطبيقات تحصي الخطوات، وتحسب السعرات الحرارية بدقة، وتراقب نبضات القلب. هذا التوجه يضع المجتمعات الحديثة تحت ضغط نفسيّ غير مسبوق، مدفوعًا برغبة وهمية في بلوغ "النسخة المثالية" من الذات وتطويع البيولوجيا البشرية لقوانين الخوارزميات.
موضوعات مقترحة
وفي هذا السياق، أوضحت عالمة السياسة بييرا فيرنانديز، أن الطفرة الهائلة في استخدام تطبيقات تسجيل النشاط البدني والنوم تعكس ضغطًا اجتماعيًا متزايدًا يدفع الأفراد نحو تحسين وتحجيم كل تفصيل من تفاصيل حياتهم اليومية.
عندما تتحول الحياة إلى جدول بيانات مبرمج
استعرضت فيرنانديز تجربتها الشخصية الطريفة والمحملة بالدلالات مع أحد تطبيقات حساب السعرات الحرارية المعتمدة على تصوير الوجبات.
يحتوي التطبيق على عنصر تفاعلي متمثل في "حيوان افتراضي" (راكون) تتغير ملامحه وتعبيره النفسي بين السعادة والحزن بناءً على جودة الخيارات الغذائية للمستخدم.
"لقد انتهى بي المطاف إلى الكذب على الراكون الافتراضي؛ فحينما كنت أتناول وجبة غير صحية، كنت أمتنع عن تسجيلها، وفي المقابل أسرع بالتقاط صورة لتفاحة لأرضيه". — بييرا فيرنانديز.
تفتح هذه المفارقة الباب أمام تساؤل أعمق حول الكيفية التي أزاحت بها المنصات الرقمية المعايير المهنية الطبية وحلت محلها خوارزميات جامدة.
فالتطبيق أو الميزان الذكي صار يحدد نمط الحياة دون النظر إلى المعطيات الخاصة أو الرؤية التحليلية التي يقدمها طبيب التغذية المتخصص.
ترتبط هذه الظاهرة ثقافيًا بمفهوم "الذات الكمية" أو "اليو المقاس" ، وهي حركة عالمية تدعم التسجيل المستمر للبيانات الحيوية لرفع الكفاءة البدنية والعقلية. ويبرز المستثمر التكنولوجي الشهير برايان جونسون كنموذج صارخ لهذا التوجه، حيث ينفق ملايين الدولارات سنويًا لمراقبة مؤشرات جسده بهدف مكافحة الشيخوخة.
معايير مستحيلة وضغوط اجتماعية متزايدة
لا تتوقف المعضلة عند حدود الرغبة الشخصية في الرشاقة، بل تمتد لتلامس نقاشات عامة واجتماعية معقدة حول شكل الجسد المثالي والمنظومة البيولوجية. وترى فيرنانديز أن الهوس بالمؤشرات الرقمية يضاعف الضغوط الاجتماعية المفروضة على الأجساد، ولا سيما أجساد النساء. وتكشف البيانات في هذا الصدد عن واقع مقلق؛ إذ يعاني قرابة 29% من المجتمع الأرجنتيني – على سبيل المثال – من اضطرابات السلوك الغذائي، وهي واحدة من أعلى النسب المسجلة عالميًا.
وينعكس هذا الضغط النفسي بصورة أكبر في ظل المعوقات الاقتصادية الهيكلية؛ حيث تشير الدراسات والتشخيصات الحديثة إلى أن "تناول طعام غير صحي أصبح أرخص ثمنًا من الحصول على غذاء ذي قيمة غذائية عالية". ولم تعد هذه الأزمة حكرًا على النساء، بل امتدت لتشمل المراهقين والشباب من الذكور، مدفوعة بآليات العرض والظهور المستمر عبر منصات التواصل الاجتماعي.
تجارة البيانات الشخصية: الجانب الخفي للهوس الرقمي
خلف الوعود البراقة بالصحة المثالية والرشاقة، يقبع محرك اقتصادي ضخم يعتمد على البيانات الحيوية للمستخدمين. نبهت فيرنانديز إلى أن الأفراد يمنحون الشركات طواعيةً قاعدة بيانات متكاملة تفوق مجرد نقرات الإعجاب؛ فهم يشاركون تفاصيل نومهم، وحركتهم، وطبيعة غذائهم، وهو ما يمثل تجارة هائلة وأرباحًا طائلة لهذه المنصات. تتيح هذه البيانات للشركات بناء ملفات تعريفية فائقة الدقة لتوجيه الإعلانات، والخدمات، والمنتجات المخصصة لكل فرد.
من جانبها، قدمت الخبيرة باولا غوارديا بوردين قراءة سيكولوجية موازية لأسباب انتشار هذه الأدوات؛ مشيرة إلى أنه من الطبيعي تمامًا أن يبحث الإنسان الحديث عن شعور – ولو كان وهميًا – بالسيطرة والتحكم في حياته وسط عالم متسارع، وذلك عبر لغة الأرقام البسيطة كالسعرات الحرارية أو عدد الخطوات. ومع ذلك، يتحول هذا السعي غير المباشر للتحقق من الذات إلى تساؤلات مبطنة للآخرين عبر الفضاء الرقمي: "ما رأيكم في كمية الطعام التي تناولتها اليوم؟" أو "كيف ترون المسافة التي قطعتها ركضًا؟"، مما يحول المؤشر الحيوي الشخصي إلى أداة لاستجداء القبول الاجتماعي.