29-6-2026 | 13:58

هناك لحظات لا تمر في حياة الأمم مرور الكرام. لحظات لا تُقاس بعدد الأيام التي سبقتها أو التي تلتها، بل بثقل القرار الذي اتخذته فيها. في تلك اللحظات يتوقف الزمن لبرهة، كأنه يراقب، ثم يمضي حاملاً معه أسماء لا تُمحى من الذاكرة. في هذه اللحظات لا يعود القائد مجرد منصب إداري أو لقب بروتوكولي، بل يصبح معنى، ومسئولية، ورسالة ينهض بها من يختاره القدر.

مصر عرفت من هذه اللحظات ما يكفي لتتعلم أن الوطن لا يُبنى بالخطب ولا بالشعارات، بل برجال يفهمون أن الأمانة أثقل من الجبال، وأن الخوف من الفشل جريمة في حق شعب ينتظر من يحمل عنه ثقل الحيرة. 

ومن هذا الفهم جاءت فكرة كتاب تصدره الهيئة الوطنية للصحافة مع حلول ذكرى الثلاثين من يونيو، (رجل الأقدار) كتاب لا يحاول أن يسرد أحداثاً بقدر ما يحاول أن يفسر كيف يولد القائد في لحظة تحتاج إليه.

يبدأ الكتاب من مكان له دلالة. من حي شعبي عريق إلى قصر الحكم. هذه المسافة الجغرافية ليست أمتاراً، بل هي رحلة معنى. هي الانتقال من قلب الناس البسطاء إلى قلب القرار الذي يمس حياتهم. الكتاب يرى أن هذه الرحلة لا تُفهم إلا إذا فهمنا أن القيادة لا تبدأ من أعلى، بل تبدأ من القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون وهم غارقون في ضجيج اللحظة. أن ترى الخطر قبل أن يتحول إلى كارثة، وأن ترى الفرصة وسط الركام.

الجزء الأول من هذا العمل يمكث طويلاً عند تلك السنوات التي أعقبت 2011، حين كانت الدولة المصرية تواجه اختباراً وجودياً. كانت المعادلة في غاية القسوة: إما الفوضى أو الاستقرار، إما التفكك أو البقاء. وفي هذه المعادلة لم يكن الحل في الكلمات. كان الحل في موقف، وفي صلابة، وفي قدرة على لجم الفوضى دون أن ينكسر الإطار الوطني. الكتاب يتناول هذا الدور لا باعتباره بطولة فردية، بل باعتباره تجسيداً لدور مؤسسة وطنية عريقة، القوات المسلحة، حين يقف على رأسها من يفهم أن الأمن ليس رفاهية بل هو الشرط الأول لأي حياة.

ويذهب أبعد من ذلك حين يتوقف عند فكرة الحصار. فالحصار لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً واقتصادياً وإعلامياً. كان محاولة لإخضاع دولة ترفض أن تكون تابعة. والرد على هذا الحصار لم يكن بالصراخ، بل بدبلوماسية مختلفة، دبلوماسية هادئة عنوانها الاتزان. اتزان لا يعني التردد، بل يعني أن تعرف متى تتحرك ومتى تصبر، ومتى تتكلم ومتى تعمل في صمت. هذا الاتزان هو الذي جنب الدولة فخاخاً كادت تعصف بها، وهو ما يجعل من تلك المرحلة فصلاً مؤسسًا في كتاب الدولة الجديدة.

ثم ينتقل الكتاب إلى فصل آخر، لا يقل أهمية، بل هو الامتداد الطبيعي للمعركة الأولى. فبعد أن تؤمن الدولة نفسها، تبدأ معركة البناء. وهنا يطرح الكتاب معادلة مركزية: العمران في خدمة الإنسان. ليست الدولة مشروع طرق وكباري، وليست إنجازاً رقمياً في تقارير التنمية. الدولة الحقيقية هي التي تشعر أن المواطن هو الغاية، وأن كل حجر يُوضع يجب أن يرفع عن كاهله عبئاً قديماً.

الدولة الحقيقية هي التي لا تنسى الأب الذي ينتظر فرصة عمل، والأم التي تصبر على قلة الحيلة، والطفل الذي يحلم بمدرسة قريبة. من هنا يبدأ الحساب، ومن هنا يبدأ المعنى.

من هذا الباب يدخل الكتاب إلى فكرة الثورة التشريعية. فلا يمكن أن تبنى جمهورية جديدة بقوانين ورثتها من عصر مضى. لا يمكن أن تطالب الإنسان بالحرية وأنت تقيده بتشريعات استثنائية صُنعت لزمن غير زمنه. لذلك كان لابد من كسر هذه الدائرة، وإعادة كتابة العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أساس الحق لا الاستثناء.

ثم تجيء مبادرة تمثل روح هذه المرحلة. مبادرة لا تسأل الناس ماذا ينقصكم، بل تذهب إليهم حيث هم، في القرى والنجوع، لتعيد تعريف معنى الكرامة. حرب على الفقر، وحرب على الجهل، وحرب على المرض. والأهم أنها حرب على أمراض مزمنة سكنت الجسد المصري لعقود طويلة. أمراض جعلت المواطن يشعر أنه نسي. فكان لابد من مشروع يعيده إلى الصورة، مشروع يبدأ بقناة تفتح للعالم، ويمر بزراعة وصناعة، وينتهي بمفهوم جديد للمعمور المصري.

ولعل أخطر ما في هذا الجزء هو فكرة التمكين. فالكتاب لا يتحدث عن فئات ضعيفة تحتاج إلى صدقة أو شفقة. يتحدث عن شركاء. عن امرأة مصرية تُمنح مقعدها في القرار، وعن ذوي الهمم الذين يتحولون من هامش إلى متن، وعن كل من كان يُنظر إليه على أنه عبء ليصبح طاقة. هذا هو الفارق بين دولة ترعى ودولة تبني. الدولة التي ترعى تعطي، والدولة التي تبني تشرك.

ولا يمكن فصل هذا كله عن فكرة القوة الناعمة. فالدولة التي تبني بالحديد والأسمنت وحدها دولة ناقصة. لا بد لها من ثقافة، ومن فن، ومن رياضة، ومن صوت يصل إلى العالم دون سلاح. الكتاب يستشرف هذا المستقبل، مستقبل لا يرى مصر قلعة فقط، بل منارة.

ما يميز هذا العمل أنه لا يكتبه فرد واحد، بل هو ثمرة جهود نخبة من الكتّاب والمفكرين الوطنيين. شهادات موثقة من أشخاص عاشوا اللحظة، وأسهموا في صياغتها. ومن بين هذه الشهادات مقدمتان. الأولى بقلم رجل القانون الذي حمل الأمانة في أخطر منعطف، والثانية بقلم رجل الدين الذي يمثل ضمير المحبة في الوطن. وجود الاثنين معاً في كتاب واحد هو بحد ذاته رسالة: أن المشروع الوطني أكبر من أي انقسام، وأوسع من أي خلاف.

في خاتمته يقول الكتاب كلمة دقيقة: الأساطير لا تُكتب بحجم الكرسي، بل بحجم الوطن الذي يحمله القائد على كتفيه. الأسطورة الحقيقية هي أن تحول الأزمة إلى فرصة، وأن تحول اليأس إلى أمل، وأن تترك اسمك محفوراً ليس على الرخام، بل في قلوب الناس.

من أجل ذلك، جاء هذا الإصدار في طبعة شعبية. لأنه لا يخاطب النخبة وحدها، بل يخاطب كل بيت. يخاطب الأب الذي يريد أن يفهم ماذا حدث، والأم التي تريد أن تشرح لابنها معنى الاستقرار، والشاب الذي يسأل عن مستقبل بلده. هو كتاب يجيب على سؤال سيتكرر: كيف نجونا؟ وكيف نبني؟

في ذكرى 30 يونيو، لا تحتاج مصر إلى خطاب. تحتاج إلى ذاكرة. والذاكرة لا تُحفظ بالصور فقط، بل بالكتب التي تضع المعنى فوق الحدث. هذا الكتاب هو محاولة لوضع المعنى. محاولة لتقول إن الرجال لا يصنعهم الزمن، بل هم من يصنعون الزمن.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: