حكايات علمية (3): اكتشاف بالصدفة أنقذ ملايين البشر

29-6-2026 | 14:09

فى أواخر صيف عام 1928، عاد الطبيب الأسكتلندي ألكسندر فلمنج من إجازته الصيفية إلى مختبره في لندن. كانت أطباق الزجاج التي تركها قبل سفره لا تزال على طاولة العمل، ولم تُغسل كما اعتاد مساعدوه أن يفعلوا. 

لم يكن يتوقع أن يجد فيها سوى بكتيريا فاسدة وتجربة انتهى عمرها، لكن ما رآه في أحد الأطباق كان بداية فصل جديد في تاريخ الطب.

كان فلمنج يعمل على تنمية "بكتيريا المكورات العنقودية"، إلا أنه لاحظ نمو فطر أخضر صغير في أحد الأطباق، تحيط به دائرة صافية خالية من البكتيريا.
 
   بدا الأمر وكأن الفطر يرسم حول نفسه منطقة لا تستطيع الجراثيم الاقتراب منها. بدافع فضوله العلمي، بدأ يدرس هذه الظاهرة، واكتشف أن الفطر يفرز مادة قادرة على إيقاف نمو أنواع من البكتيريا المسببة للأمراض، فأطلق عليها اسم "البنسلين".

   نشر فلمنج نتائج أبحاثه عام 1929، لكن المشكلة لم تكن في أهمية الاكتشاف، بل في صعوبة تنقية البنسلين واستخلاصه بكميات تكفي لاستخدامه كدواء.
  
    لذلك، ورغم اهتمام عدد من العلماء بالاكتشاف، ظل تطبيقه العملي محدودًا لعدة سنوات، وكاد يبقى مجرد ملاحظة علمية واعدة.
   لكن في أواخر الثلاثينيات، أعاد فريق بحثي في جامعة أكسفورد، بقيادة هوارد فلوري وبمشاركة إرنست تشين، قراءة أبحاث فلمنج. أدرك الباحثان أن العقبة ليست في فعالية البنسلين، بل في طريقة إنتاجه. وبعد جهود مضنية، نجح الفريق في تنقيته وإنتاج كميات تسمح بتجربته على المرضى.

    في عام 1941، عولج أول مريض بالبنسلين، وهو شرطي كان يعاني عدوى بكتيرية شديدة. بدأت حالته تتحسن بوضوح، لكن مخزون الدواء كان قليلا، فنفد قبل اكتمال العلاج، فتوفي المريض. لكن لم تُثبط هذه النتيجة من عزيمة الفريق، بل دفعتهم إلى تطوير وسائل الإنتاج الصناعي، وسرعان ما أصبح البنسلين خلال الحرب العالمية الثانية علاجًا ينقذ حياة آلاف الجنود والمرضى.

   وفي عام 1945، نال فلمنج وفلوري وتشين جائزة نوبل في الطب تقديرًا لهذا الإنجاز. وعندما سُئل فلمنج عن سر اكتشافه، قال جملته الشهيرة "الحظ يُفضل العقل المستعد."

   ومنذ ذلك الحين، أسهم البنسلين وما تلاه من مضادات حيوية في إنقاذ مئات الملايين من الأرواح، وتغير مستقبل الطب الحديث. 

    لقد بدأت هذه الثورة العلمية من ملاحظة دقيقة لطبيب فضولي، ومن طبق زجاجي لم يُغسل بعد إجازة صيفية، لتصبح واحدة من أعظم القصص التي أثبتت أن الاكتشافات الكبرى قد تبدأ أحيانا من تفاصيل تبدو عادية، لكن يلتقطها عقل يعرف كيف يقرأ ويرى ما لا يراه الآخرون.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: