لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الدِينُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، وَلَوْ كَرِهَ الكَارِهُونَ.
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ..
كيف لذي عقل، أن يتخيل أنه قادر على ذلك؟!
كثير من الناس، وهبوا أنفسهم للفتنة، وكرسوا حياتهم لتبني الروايات الفاسدة، دون لمحة من عقل، أو وازع من ضمير.
ورغم ضآلة منطقهم، وضحالة فكرهم، أجدُني راغباً، اختياراً لا جبراً، في تقديم التوضيح الداحض لهذه الفرية الهزيلة، وتلك الأكذوبة الواضحة، وضوح الشمس وضحاها، والتي ساقها أحدهم، حول الكعبة المعظمة، والتشكيك بالباطل في رواية محاولة هدمها من قبل أبرهة وفيله وجنوده!
وهنا أسوق بعض الأدلة النافية لأي ظن، لا محاجة، فهم أقل منها، ولا دفاعاً، فالله هو المدافع عنا جميعاً. وإنما للمزيد من اليقين والطمأنينة.
وفي الإجمال، إذا أرادَ اللهُ نَشرَ فضيلةٍ طُويتْ، أتاحَ لها لسانَ حسودٍ.
أولاً: ما الرأي في مشركي قريش؟ يقيناً تتفقون أنهم ما تركوا من سبيل لمعاداة النبي، صلى الله عليه وسلم، والتشكيك في رسالته، إلا سلكوه.
استمعَ هؤلاء المشركون، لسورة الفيل، فلم يجدوا فيها دليلاً واحداً على كذب الرسالة، وهم أحوج ما يكونون لفرصة، أقل من ذلك بكثير! وعام الفيل، هو عام ميلاد النبي، صلى الله عليه وسلم، أي عام عاشوه وشهدوا ما كان فيه من أحداث. ألا يؤكد صمتهم، صدق ما شهدته هذه السنة، من واقعة الفيل؟ يقيناً يؤكد.
نزلت سورة الفيل في مكة، في السنوات الأولى لبعثته، صلى الله عليه وسلم، وقبل الهجرة بسنوات، أي نزلت في أوج العداوة بين النبي وأصحابه وبين مشركي مكة.
ثانياً: نسمع عن شيء اسمه (التواتر) بمعنى نقل الأخبار والأحداث السابقة، وما التاريخ كله، إلا رحلة مع (التواتر) وهذا عين المنطق، وإلا كيف عرفنا أخبار الأمم السابقة، ما لم تكن هناك (مراصد) تكتب وتوثق، وتنقل وتتحاكى.
لقد حكى الناس لأولادهم، وحكى أولادهم لأبنائهم، وهكذا شاع الأمر تواتراً، حتى أضحى للبعيد والقريب، سواءً بسواء.
لو فرضنا شخصاً، كان عمره 15 عاماً، يوم الفيل، والسورة نزلت بعد قرابة 45 عاماً من الواقعة، إذن عمر هذا الرجل، وقت نزول السورة 60 سنة، ومن اليسير أن يتحدث بكل ما شهدته عيناه.
أبو طالب مثلاً، عم النبي، صلى الله عليه وسلم، كان في عام الفيل، يقترب من الثلاثين عاماً، ومات وهو في سن الثمانين تقريباً، يعني شاهد وعايش.
ثم إن الناس جميعاً، مؤمنهم وكافرهم، اجتمعوا على صحة الواقعة، فهل يجتمعون، وبهذه الكثافة، على باطل؟!
ثالثاً: عام الفيل، هو العام الأشهر عند العرب، وكانوا يتخذونه (نقطة قياس) فيقولون، حدث هذا قبل الفيل بخمسة أعوام، وولد ذاك بعد الفيل بعامين، وهكذا.
رابعاً: القصة لم تنته عند لحظة وقوعها، بل شاءت إرادة الله، أن تبقى بعض آثارها، لتكون شاهداً على قدرته سبحانه، وكتاباً مفتوحاً للعبرة والعظة. آثار بقيت، واطلع عليها الناس.
قالت أم المؤمنين عائشة، رضي اللهُ عنها وأرضاها (وقد ولِدت في الإسلام): رأيتُ قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان..
أي رأت، راكب الفيل، والممسك بحبله، أحياء على هذا الوضع، بعد سنوات طوال من الواقعة ذاتها.
فالله لم يهلك جيش أبرهة كله، بل أبقى بعضهم، تحدياً وإعجازاً، لتبقى الواقعة حيةً، وإن مرت عليها السنوات.
كذلك بقيت في مكة، حجارة مخططة بحُمرة، من حجارة العقاب، حصوات بين الحمص والعدس، جمعها غالباً، جد النبي، صلى الله عليه وسلم، عبدالمطلب، صاحب المقولة الأشهر (للبيت ربٌ يحميه) لتكون شاهدةً على مكانة وقدسية بيت الله الحرام.
خامساً: القصة ذاتها جاءت في كتب السابقين، عن تاريخ الحروب، وتاريخ الأوبئة، مثل كتاب أفيال الحرب war elephants لجون كيستلر (John M. Kistler) بمشاركة ريتشارد لير (Richard Lair) ذكروا فيه قصة الفيل، والهجوم على الكعبة، كذلك كتاب حيوانات في الجيش Animals in the military يتطرق للأمر نفسه.
دائرة المعارف الإثيوبية (غير مسلمة) ذكرت القصة، وقالت إنه تم شحن الفيل أصلاً من إثيوبيا إلى اليمن، وهناك رسومات موجودة في بعض كنائس إثيوبيا، مثل كنيسة دبرا سلام Debre Selam على جدرانها رسومات لفيل في مقدمة جيش، قيل إنها لفيل أبرهة، وكذلك موسوعة الطاعون والوباء، ذكرت القصة ذاتها..
سادساً: جاءت السنة النبوية المطهرة، ونحن مطمئنون إليها تماماً، ولكل ما فيها من أحاديث مدونة، لتكون المذكرة التفسيرية للقرآن الكريم.
قال ابن عباس، رضي الله عنه وأرضاه: ولد النبي، صلى الله عليه وسلم، عام الفيل..
فلم يكن للعرب سابقاً أرقام للتواريخ، كغيرهم من الأمم، وكان التأريخ يتم، بالأحداث الكبرى..
قيل في حرب الفجار مثلاً، إنها جاءت بعد عشرين عاماً من الفيل.
وفي خطبته، صلى الله عليه وسلم، عام الفتح، قال: إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين.
ونقلت لنا الروايات، أن ناقة النبي، صلى الله عليه وسلم، بركت قبل مكة، عند الحديبية، في العام السادس للهجرة، وهو في طريقه، صلى الله عليه وسلم، وصحبه الأطهار، لزيارة مكة والطواف بالبيت، فقال الناس خلأت القصواء (أي عاندت)، فقال (صلى الله عليه وسلم) ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل!
وقيل عنه، صلى الله عليه وسلم: ولد في عام الفيل، وتنبأ على رأس الأربعين من عام الفيل، أي أن بعثته، صلى الله عليه وسلم، كان يؤرخ لها من واقعة الفيل.
وقال صلى الله عليه وسلم: فضَّل اللهُ قريشًا بسبعِ خصالٍ، لم يُعطَها أحدٌ قبلَهم، ولا يُعطَاها أحدٌ بعدَهم، فضَّل اللهُ قريشًا بأنِّي منهم، وأنَّ النُّبوَّةَ فيهم، وأنَّ الحِجابةَ فيهم (مفتاح الكعبة) وأنَّ السِّقايةَ فيهم، ونصَرهم على الفيلِ، وعبَدوا اللهَ عشرَ سنينَ لا يعبُدُه غيرُهم (قبل دخول الأنصار) وأنزَل فيهم سورةً من القرآنِ، لم تُنزَلْ في أحدٍ غيرِهم (سورة قريش).
كان هجوم أبرهة الأشرم، ملك اليمن، على مكة، بهدف هدم الكعبة، وتحويل وجهة القادمين نحو كنيسة أسسها في صنعاء، وأدبر الناس عنها.
كذلك كان بهدف سياسي اقتصادي تجاري، وهو تحويل قبلة التجارة والمرور إلى صنعاء، بدلاً من مكة.
لم يكن أبرهة يوماً ما قديساً، بل جاء من الحبشة، واستولى على الحكم في اليمن، وزادت مطامعه.
والادعاء بعدم معقولية رواية الفيل، وأنه كان بالإمكان تأجير شخص (بعشرة جنيهات! هكذا قال أحدهم!) لهدمها، فهي مجرد (غرفة) وهكذا قال أيضاً! متجاوزاً كل حدود الأدب واللياقة في الحديث عن أشرف بقاع الدنيا، ومتغافلاً عن حقيقة الإيمان الراسخة في النفوس، حتى مع أعتى العاصين، فهي فطرة الله، التي فطر الناس عليها، والدليل أن أبرهة نفسه، لم يجد عربياً واحداً يدله على الطريق للكعبة، لماذا؟ لأنهم جميعاً يعلمون قدرها العظيم، ومكانتها السامية، وما كان لهم أن يُلقوا بأنفسهم في هذا الجب السحيق، من الدونية، بخيانة الله، وخيانة أمانته، فأرواحهم فداءٌ لبيت الله الحرام، وللكعبة المشرفة، لا يترددون في ذلك، لحظةً واحدة.
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ (5)
معركة حربية كاملة، تحدث عنها الله تعالى، في كتابه الكريم، في 5 آيات فقط 23 كلمة 96 حرفاً!
لماذا؟ للتقليل من شأن الفيل وأصحابه، إذ أرادوها هزيمة لبيت الله، وأرادها الله مذلةً ومهانةً لهم، وسميت السورة كلها (سورة الفيل) حتى يعلم هؤلاء الذين اتخذوا الفيل رمزاً للقوة والمهابة والجبروت، أنها قدرات كاذبة، لا تساوي شيئاً أمام قدرة الله تعالى، فالقوة والقدرة لله وحده، دون غيره.
الاستفهام في الآية الأولى والثانية، يعطي المعنى قوةً، فوق قوته.
أَلَمْ تَرَ.. وكيف يرى النبي شيئاً حدث عام ولادته؟! والجواب، رسالة الله، أن ما أقوله لك يا رسول الله، أقوى مما تراه عيناك: أَلَمْ تَرَ..
وجاء هذا المعنى كثيراً في القرآن الكريم، فكلام الله أصدق، أبلغ، أقوى.
كَيْفَ.. حديث عن الكيفية، كيف فعل، وليس إلى ما فعل، وهي إعجازية، فالإهلاك جاء على خلاف عهد الناس بطرق الإهلاك، كمقاومة الجيش بالمدافعين، أو إصابة المهاجمين بوباء، أو غير ذلك، فالهلاك، دون مرض، ودون هجوم أحد عليهم، الهلاك صناعة سماوية 100% لا علاقة لها بالبشر، ولا بأحوال البشر، ولا بقدرات البشر.
رَبُّكَ.. فيها تشريف وحنو، من الله تعالى، على رسوله (صلى الله عليه وسلم) وتأكيد على منزلته الكريمة، ومكانته العظيمة.
كَيْدَهُمْ.. تأكيد فكرة المؤامرة، من أبرهة وأعوانه.
طَيْرًا أَبَابِيلَ.. التنكير، للتعميم والتهويل والكثرة. وعدم التعريف، لتبقى جنود الله مجهولة، لا يعلمها إلا هو، جلت قدرته.
وأَبَابِيلَ.. أي جماعات متفرقة، لكنها متتابعة ومنتظمة..
سِجِّيلٍ.. من الطين المحروق المُتَحَجِّر، أكبر من حبة العدس، وأقل من حبة الحمص. أي صغيرة وهي تناسب ما يحمله الطير، وفي ذلك وجه آخر، من وجوه البلاغة القرآنية. وقيل إنها نفس نوع الحجارة، التي أهلكت قوم لوط.
كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ.. ورق الشجر الأخضر لما ييبس، وتدوسه الأقدام، ويصبح كالتبن الجاف الضعيف.
في السورة، استخدم الله أقصر العبارات، وأقواها؛ لتصوير ملحمة تاريخية ضخمة. كما استخدم كثيراً من حروف القوة، لتناسب المشهد.
تبقى قصة الفيل حاضرةً، لتؤكد أن الله غالب على أمره، ولا يكون في ملكه إلا ما يشاء ويريد.
لقد حاول كثير من السابقين، التشكيك في الرواية، والقول بأنها رمزية، لدرجة أن فسر بعضهم كلمة الفيل بالفاسد من القول أو الرأي، وبذلك يصبح أصحاب الفيل، هم أصحاب الرأي الفاسد! وقال غيرهم هي أسطورة، مستوحاة من أحد الأسفار! لم يشهدها الواقع!
والحقيقة هي حق اليقين، لا رمزية، ولا أسطورة، وما أقوالهم الضالة هذه، إلا محاولات يائسة للطعن في الدين، والنيل منه، حسداً من عند أنفسهم.
يبقى كلام الله، هو الأصدق، وتبقي سورة الفيل، رمزاً من رموز الدقة والبلاغة والإعجاز القرآني.
ويبقي الحاقدون على حقدهم، فارغين، والفارغون دوماً، أكثرُ ضجيجاً، حتى قالوا إذا مرَّ القطارُ، وسَمِعتَ جلبةً لإحدى عرباتِه، فاِعْلَمْ أنَّها فارغةٌ. وهكذا هم فارغون..