زحام غير عادي في سوق السيارات بسبب الهجوم الكبير للسيارات الصينية من طرازات جديدة مدججة بالتكنولوجيا والمواصفات. كافة وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة، بالإضافة إلى آفة العصر "السوشيال ميديا" وما يفعله المؤثرون الجدد من استعراض لإمكانات السيارات، ومدى التقدم في الصناعة، وإبهار الناس من مختلف الطبقات، ولد الرغبة العارمة للشراء بأي السبل، وهنا لنا وقفة.
هناك فئات من الناس تتابع تفاصيل هذه الصناعة وتقدمها بغرض الشراء، وهناك آخرون يتابعون لتأكيد قرارهم في اختيار سياراتهم، وهناك آخرون يتفرجون لمجرد متعة المشاهدة والحلم فقط، لأنهم لا يستطيعون التفكير في الشراء؛ إما لأنهم أصبحوا مثقلين بالأعباء الحياتية الأهم في ترتيب الأولويات، أو لأنهم يتحينون الفرصة وراضون بما قسمه الله لهم من سياراتهم التي مر عليها أكثر من 20 سنة، ويقضون إجازة نهاية الأسبوع عند الأسطى أحمد الميكانيكي؟!
هؤلاء كانت الحكومة -قديمًا- قد ابتسمت لهم بالإعلان عن مشروع الإحلال والتجديد من خلال ماركات بعينها من إنتاج المصانع المصرية. وتم البدء بسيارات التاكسي، ووضع نظام للمشروع يبدأ بدخول البنوك بفائدة مقطوعة، ودعم حافز أخضر، وإعلانات توضع على السيارة لتساعد صاحب التاكسي على سداد أقساطه. فأقبل أصحاب التاكسيات "الأبيض والأسود" وتم الإحلال ونجح المشروع في العام الأول. وفي المرحلة الثانية بدأت العراقيل تعترض طريقه بسبب الضعف الإعلاني ثم اختفاء هذا العنصر تمامًا.
كانت الآمال معقودة على دخول سيارات الميكروباص والسرفيس ثم الملاكي. وهنا وجدها أصحابها فرصة لا تعوض، وبالفعل تم الإقبال على هذا المشروع، خاصة عند اختيار سيارات تعمل بالبنزين والغاز الطبيعي. واستمرت عملية الإحلال والتجديد لفترة من خلال تقسيم الجمهورية إلى محافظات، والإعلان عنها ليتقدم ملاك السيارات التي مر على صناعتها أكثر من 20 عاماً - شريطة أن يكون المتقدم مالكاً أولاً، وفجأة بدأت عمليات تسليم السيارات في حالة بطء شديد، ثم تعثر، ثم توقف. وقيل إن السبب هو سعر الدولار المتغير، فلم يعد أمامهم سوى الموت الإكلينيكي للمشروع. ومات معه حلم مئات الآلاف من ملاك هذه السيارات، ومن ينادون بسلامة البيئة والحد من التلوث البيئي بسبب عوادم السيارات القديمة.
أرى أنه آن الأوان لعودة هذا المشروع، بعد أن كثرت أعداد مصانع السيارات والمشاريع الاستثمارية في هذا المجال، وأن يعاد وضع شروط وضوابط مرنة لصالح الطرفين: "العميل المستفيد" والمصنع. وأن تمنح الدولة حوافز خاصة لأي مصنع يتعامل في هذا المشروع حتى يتغلب على عنصر السعر، وأن توضع هذه الشروط في إستراتيجية صناعة السيارات، مع الوضع في الاعتبار أن يكون التسعير "سعر التسليم على باب المصنع أي خاليًا من الإضافات الخاصة بنسبة الأرباح".
أعتقد أن عودة الروح لهذا المشروع تحتاج إلى إعادة دراسة من خلال تعاون وزارتي المالية والصناعة، لإعادة البسمة لفئة من الشعب المصري تريد أن تستخدم السيارة لحفظ كرامة أسرتها من بهدلة الطريق.