لا شيء يشبه روح الإنسان مثل كتبه. البيوت تتشابه، الحوائط تتشابه، حتى الأثاث يمكن أن تراه في بيت غير بيتك فلا تندهش. لكن الكتب لا تتشابه أبدًا. الكتب بصمة لا تخطئها العين، ولا يخطئها القلب.
لذلك، حين دخلت إلى فيلا الدكتور طه حسين (رامتان) لأول مرة، لم أشعر أنني أدخل بيتًا بالمعنى الذي نعرفه للبيوت.
البيوت يا عزيزي مساكن، أما هذا فكان شيئًا آخر. كان كائنًا حيًا له نبض، له نفس، له حكايات تُروى ولا تنتهي.
الجدران تروي الحكاية
تصور معي.. جدران تغطيها الكتب من الأرض إلى السقف. لا مساحة فارغة، لا متسع لصورة أو مرآة.
مجلدات تزاحم مجلدات، رفوف تنوء بما عليها، ممرات تحولت إلى خزائن، وردهات أصبحت أرفف.
الطابقان معًا يضجان بالكتب، يئنان من ثقل الورق والحبر. ليس هذا مشهد شخص يتباهى بمكتبته كما يتباهى الناس بتحفهم ونياشينهم. هذا شيء آخر تمامًا.
هل تعرف ما أدهشني حقًا؟ أن حجرة المكتبة ليست هي المكتبة. فالمكتبة امتداد، المكتبة في كل مكان، المكتبة هي البيت كله. لا تعرف أين تنتهي غرفة المعيشة وتبدأ رفوف الكتب، ولا أين ينتهي المطبخ وتبدأ خزائن المعرفة.
كأن الرجل قال لنفسه لماذا أفصل بين حياتي وكتبي؟ لماذا أضع للقراءة غرفة وللعيش غرفة أخرى؟ إنهما شيء واحد؛ الحياة قراءة، والقراءة حياة.
ثم أخذت أتأمل هذه المجلدات على مهل. عربية قديمة، ضخمة، بعضها يقع في عشرين جزءًا وأكثر. مجلدات ثقيلة تشعر وأنت تنظر إليها أنها صنعت لتعيش أكثر مما ستعيش أنت. ليست ككتبنا هذه الأيام، الرفيعة الهشة التي تقرؤها في جلسة وتنساها في جلسة. كانت تلك موسوعات، كتبها أصحابها في عمر كامل، ونسخها النساخ بأيادٍ صبرت طويلًا على القلم والمداد. ثم جاء هو، هذا الرجل الذي خطف الله نور عينيه، ليمسكها بأصابعه. أصابع عرفت كيف ترى في الظلام، وكيف تجد طريقها إلى الحقيقة كما تجد الأم طفلها في ليل حالك.
نظرت حولي فوجدت العجب. كل ما نشرته مصلحة الآثار عن مصر الفرعونية موجود. وكل ما نشر عن الحفريات والتنقيب موجود. وكل ما كتب عن الآثار الإسلامية موجود. تاريخ هذه الأمة كلها محبوس هنا، بين هذه الجدران الأربعة: فرعوني وقبطي وإسلامي ويوناني ولاتيني وفرنسي. كأنه يقول لك: انظر، هذه مصر. هكذا يكون المصري الأصيل، يده في يد أبي الهول، وقدمه عند باب الأزهر، وعيناه على أثينا وباريس.
لقاء الفقهاء والفلاسفة
الفقهاء الأربعة يجلسون على الرفوف (أبوحنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل). وإلى جوارهم أفلاطون وأرسطو. ما الذي يجمع هؤلاء بأولئك؟ إنه العقل يا عزيزي. العقل الذي يحاور، والعقل الذي يجادل، والعقل الذي لا يقبل الشيء دون دليل. رآهم طه حسين جميعًا يسيرون في الطريق نفسه، طريق البحث عن الحقيقة.
ثلاث لغات على الرفوف أيضًا، العربية التي حملت تراث أهله، والفرنسية التي فتحت له أبواب الدنيا، واللاتينية التي ربطته بجذور الفكر الغربي في مهدها الأول. كأن كل لغة تمثل مرحلة من عمره، العربية طفولته في كتاب القرية، والفرنسية شبابه في السوربون، واللاتينية نضجه وهو أستاذ في الجامعة يدرس لتلاميذه ما تعلمه هو بالأمس. حياته كلها مرصوصة على هذه الرفوف، طبقة فوق طبقة.
الزائر المتأمل
تساءلت وأنا أمر بعيني على هذه الآلاف المؤلفة كيف لرجل واحد أن يقرأ كل هذا؟ هل قرأها حقًا؟ ربما قرأ نصفها، لا أدري. لكن المهم أنه عرف ماذا في داخلها. كان له مع كل كتاب حوار صامت، علاقة شخصية، معرفة حميمة كمعرفة الراعي لقطيعه.
كل كتاب حاضر ولو لم يقرأ صفحاته كلها. كل مجلد صديق وإن لم تمضِ معه الليالي الطوال.
ثم خطر لي سؤال ألم تكن هذه الآلاف من الكتب تعويضًا عن العينين المفقودتين؟ الإنسان الذي لا يرى العالم بعينيه يحتاج أن يراه بألف عين غيره. كل كتاب كان عينًا جديدة فتحها طه حسين على الدنيا: عيون المتنبي وأبي العلاء وابن خلدون، عيون ديكارت وفولتير وسارتر. استعار أبصارهم جميعًا حتى صار يرى أكثر مما يرى المبصرون.
وبينما أنا واقف، أدركت شيئًا آخر هذا البيت ليس مجرد مكان للكتب. هذا البيت صورة طبق الأصل من عقل صاحبه. عقل لا يعرف الفراغ، لا يطيق المساحة الخالية، يملأ كل زاوية فيه بفكرة، وكل شبر بمعلومة. عقل تركيبي لا تفصله الحواجز بين فن وفن، ولا بين حضارة وحضارة. وربما بدا لك فوضويا لأول وهلة، كما بدت لي الفيلا فوضوية بكتبها المتراكمة في كل مكان. لكنك سرعان ما تكتشف أن لهذه الفوضى نظامًا، وأن لهذا التشتت اتساقًا. إنه يتحدى أولئك الذين يقسمون العلم أقسامًا ويضعون بينها الأسوار. كأنه قال: الفكر كله واحد، والحقيقة كلها واحدة، والمعرفة لا تتجزأ.
ولكن دعني أهمس في أذنك بشيء أليس غريبًا أن رجلًا أعمى يجمع كل هذه الكتب؟ أليس في الأمر مفارقة، وربما عبث؟ رجل لا يستطيع أن يقرأ صفحة من كتاب إلا بعيون غيره، ثم يملأ بيته بالمجلدات حتى لم يعد فيه مكان للبشر! ثم قلت لنفسي ربما هذا هو السر، كل السر. هو لم يكن يجمع الكتب لنفسه فقط. كان يجمعها لعيون تلاميذه، لعيون الباحثين، لعيوننا نحن الذين جئنا بعده. كان يقرأ لنا جميعًا. يفقد بصره ليكون بصيرتنا. يُحرم من النور ليهدينا إليه. عاهته تلك لم تكن نقصًا، بل كانت قوة من نوع غريب. قوة تجعله لا يقرأ بعينين اثنتين ترهقان وتتعبان وتخطئان، بل يقرأ بمئات العيون، يقرأ بنا جميعًا.
والآن، وقد رحل طه حسين، ماذا بقي؟ بقيت الكتب صامتة على رفوفها. جميلة كأوراق الشجر في الخريف. ولكن هل ماتت؟ هل تخشى أن تكون قد ماتت بموت صاحبها؟ أن تكون قد فقدت روحها حين رحل الذي كان يلمس أغلفتها بأصابعه التي ترى؟ أنا لا أدري. ربما هي حية ما زالت. وربما هي نائمة في انتظار قارئ آخر يعرف كيف يوقظها. لكن ما أعرفه أن هذه المكتبة لم تكن مجرد ورق وحبر. كانت إنسانًا. كانت عمرًا كاملًا يعيش بين رفين. كانت محاولة جريئة من رجل أراد أن يحبس الزمن كله في غرفة، وأن يحيط بالكون في بيت، وأن يظل يتنفس بالثقافة حتى بعد أن يتنفس التراب.
الدرس الأخير
وهذا هو الدرس، أن الذي يريد أن يفكر بحرية، عليه أولًا أن يملأ حياته بالكتب. أن يجعل من بيته مكتبة، ومن مكتبته بيتًا. أن يقرأ بعينيه إن استطاع، وبقلبه إن عجزت عيناه. فالإنسان بلا كتب كالأرض بلا ماء، والقلب بلا قراءة كالعين بلا نور.
هكذا علمتني جدران طه حسين، وهكذا حكت لي!!