حين اقترب موعد المباراة بين منتخب مصر وإيران، تحول المشهد إلى حالة استنفار عام. القنوات تلهث خلف اللقطة، والمنصات تشتعل بالحماس، والشوارع استعدت لاستقبال "الفان زون" بكل ما تحمله من ألوان وأغانٍ ووجوه متشوقة.
الفكرة في ذاتها نبيلة؛ تمنح حق الفرجة لمن عجزت يده عن ثمن التذكرة، وتحوّل الساحات العامة إلى مسرح كبير للبهجة الجماعية.
لكن في خضم هذا الزخم، يغيب صوت أهم: صوت التذكير بأن ما نراه ليس ديكوراً مؤقتاً، بل مرفقاً عاماً سيدفع ثمن إهماله الجميع. عجيب أن تتبارى المنصات في وصف الأجواء وتعداد النجوم، ثم تصمت صمتاً مريباً عن سؤال بسيط: من سيحمي هذا المكان بعد انتهاء التصفيق؟
وتبرز إلى الواجهة الفكرة الجاهزة: "ليُفرض رسم دخول". وكأن النقود وحدها قادرة على تهذيب السلوك. وكأن من يملك المال لا يعرف العبث، ومن ضاقت به السبل لا يعرف غير الهدم.
هذه المعادلة ظالمة ومخالفة للواقع. فكم من ميسور كسر لمجرد الاستعراض، وكم من بسيط خرج وترك المكان كما وجده، بل أحسن.
ويُرفع الشعار الممجوج: "إذا فرحتُ خربتُ".
متى صارت الفرحة قرينة التدمير؟ ومتى تحوّل الانتماء إلى تكسير المقعد الذي نحتمي به؟
نحن أبناء مصر خرجنا من بيئة تعرف جيداً كيف تُدار الأمور بغير قانون مكتوب. في أحيائنا الشعبية بخاصة، لا ينتظر أحد دورية الشرطة إذا تهشم زجاج. سرعان ما يجتمع كبار المكان، ويُحكم العرف، ويُجبر المخطئ على جبر الضرر بيديه. لا أحد يلوّح بعبارة "الحكومة ستصلح".
القاعدة واضحة: من أتلف فعليه الإصلاح. هذه الكرامة التي تربينا عليها.
الفان زون تحتاج إلى هذا المنطق ذاته. تحتاج إلى أن نغرس في النفوس أن الشاشة التي تشاهد عليها المباراة هي ملكك غداً، والمقعد الذي تقفز عليه سيجلس عليه ابنك في اللقاء القادم. إن هدمته اليوم، فأنت تهدم متعتك غداً.
وتحصيل الرسوم ليس عصاً سحرية. هو فقط سيحجب الفرحة عن كثيرين، ويحوّل المكان إلى نادٍ مغلق. وسيظل التخريب قائماً، لكن خلف بوابة أغلى.
إن الأرقام تفضح حجم الكارثة: مقعد واحد في المدرج يكلف خزينة الدولة أكثر من 400 جنيه لإعادته كما كان. دورة مياه واحدة تحتاج إلى 15 ألف جنيه صيانة بعد كل لقاء جماهيري. وفي واقعة شهيرة بالموسم الماضي، توقفت شاشة فان زون الرئيسية عن العمل لأسبوعين؛ بسبب أعمال تخريب، فخسرت الدولة ما يقارب 2.3 مليون جنيه بين صيانة وتعويضات. هذا المبلغ كان كافياً لإقامة منشأة رياضية مصغرة في مركز شباب محروم. إذن الحديث ليس عن زينة تحطمت، بل عن فرص تُسرق من أجيال قادمة.
إذن ما المخرج؟ المخرج لا يزال ممكناً مع صافرة النهاية، ويقوم على ثلاثة مسارات:
فلنوظف أمنًا يرشد قبل أن يردع، لسنا بحاجة إلى مزيد من العصي، بل إلى مزيد من الكلمة. فرد أمن يبتسم ويقول "خللي بالك على الكرسي" أقوى من لافتة تحذير. كاميرا ظاهرة تذكّر بأن العين تراقب، تمنع يدًا ممدودة. الكثافة الأمنية الذكية تصنع هيبة دون قمع.
فلنقم بحملة توعية خاطفة
لقد كانت الساعات الماضية كافية. كان يخرج المعلق بصوته المعهود قبل اللقاء بدقيقة ويقول: "هذا المكان أمانة في أعناقكم". كان يظهر اللاعب في مقطع قصير وهو يربت على مقعد ويقول: "هذا لأخيك الصغير".
الرسائل القصيرة المباشرة تصل إلى القلب أسرع من لائحة العقوبات.
علينا العمل على إحياء ضمير الجماعة، كما للحارة كبيرها، فللفان زون سفراؤها.
شباب متطوعون من أبناء المنطقة، بعلامة مميزة، لا يضبطون أحداً بل يذكّرون الجميع. "هذا بيتنا جميعاً". حين تصدر النصيحة من ندّك، تصيب الهدف.
نحن لسنا أمام معادلة صفرية بين البهجة والحفاظ. نستطيع أن نهتف حتى تبُحّ أصواتنا دون أن نحطم حنجرة المكان. نستطيع أن نرقص دون أن ندوس على كرامتنا.
الإعلام الذي أشعل الحماس قادر أن يشعل الوعي. والجهة التي أقامت الفان زون في أيام، قادرة على تحصينه في ساعات.
اللقاء تسعون دقيقة، لكن أثر المقعد المحطم يمتد لأشهر. فأي ذكرى تريدون أن تحملوها معكم إلى بيوتكم؟ والانتصار الرياضي المأمول لمنتخبنا لابد أن يقابل باستقبال لائق بسمو أخلاقي يرفع من قيمة الحدث ويطوقه بأناقة في الفعل واللفظ من المشجعين.
..وحظ سعيد لفريقنا إن شاء الله.