الوفرة ومجتمع الرفاهية

27-6-2026 | 17:07

سؤال قد يبدو غريبًا:

هل تفضل أن تكون ملكًا في القرن الثامن عشر؟

أم مليونيرًا في القرن التاسع عشر؟

أم شخصًا عاديًا في عام 2026؟

فكر جيدًا قبل الإجابة.

ملك القرن الثامن عشر لم يكن يملك مضادًا حيويًا واحدًا. كان يمكن لمرض بسيط أن يودي بحياته. وكان متوسط عمر الإنسان آنذاك يقارب نصف ما نتمتع به اليوم. وكانت وفيات الأطفال أمرًا مألوفًا، بل كانت الولادة خطرًا حقيقيًا على حياة النساء، حتى الأميرات منهن.

ولم يكن يملك تكييفًا في الصيف، ولا سيارة، ولا طائرة، ولا هاتفًا، ولا إنترنت.

ولم يكن يستطيع الوصول إلى المعرفة بضغطة زر، أو التواصل مع شخص في قارة أخرى خلال ثوانٍ.

أما الإنسان العادي اليوم، فبين يديه قدرات كانت ستبدو سحرًا لملوك الماضي.

وربما تكون هذه إحدى أكبر مفارقات عصرنا: نحن نعيش في زمن يتمتع فيه المواطن العادي بمزايا لم يحلم بها الملوك، ومع ذلك نادرًا ما نتوقف لنتأمل ما بين أيدينا.

وإذا كان التضخم يقيس تكلفة ما نشتريه، فهو لا يقيس قيمة ما نكسبه من تقدم علمي وتكنولوجي. إذن ربما يكون السؤال التالي هو:

هل يمكن أن نصل يومًا إلى مجتمع الوفرة؟

ليس بمعنى أن تصبح الموارد غير محدودة، بل أن تصبح تكلفة الحصول على أساسيات الحياة صغيرة مقارنة بمتوسط دخل الإنسان.

أعتقد أن البشرية تتحرك بالفعل في هذا الاتجاه. وإذا لم تخذل السياسة العلم كما فعلت مرارًا عبر التاريخ، فقد يكون مجتمع الرفاهية أقرب مما نتصور.

ولكي نفهم ذلك، يكفي أن ننظر إلى أهم مكونات الإنفاق في حياة الإنسان: التعليم، والطاقة، والغذاء، والصحة، والسكن.

في التعليم، دخلنا بالفعل عصر الوفرة إلى حد كبير. فالمعرفة التي كانت حكرًا على نخبة صغيرة أصبحت متاحة بضغطة زر، وأصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على أداء دور المعلم الشخصي لملايين البشر في وقت واحد. تكلفة نقل المعرفة تتجه نحو الصفر.

وفي الوقت نفسه، تتسارع التطورات في الطاقة الشمسية والبطاريات والشبكات الذكية، بينما تواصل الزراعة الدقيقة والمحاصيل المحسنة وتقنيات الري الحديثة رفع إنتاجية الغذاء إلى مستويات لم يكن يتخيلها أسلافنا. واليوم ينتج العالم غذاءً للفرد أكثر بكثير مما كان ينتجه قبل قرن، رغم تضاعف عدد السكان عدة مرات.

أما الصحة، فهي المجال الذي ينجح فيه العلم باستمرار، لكنه لا يصل فيه أبدًا إلى خط النهاية. فمتوسط عمر الإنسان تضاعف تقريبًا خلال القرنين الأخيرين، وأمراض كانت تعني حكمًا بالموت، كالجدري والطاعون وشلل الأطفال، أصبحت اليوم في طريقها إلى الزوال أو محصورة في الذاكرة التاريخية. 

لكن كلما انتصر العلم على مرض، ظهر تحدٍ جديد، وكلما أطال عمر الإنسان، ارتفعت طموحاته نفسها. فالسؤال لم يعد كيف نعالج المرض فقط، بل كيف نؤخر الشيخوخة ونطيل سنوات الحياة الصحية لا سنوات العمر فقط. وكأن خط النهاية يتحرك إلى الأمام كل مرة نقترب منه، فالوفرة هنا ليست غياب المرض، بل تضاؤل المسافة بين ما هو ممكن طبيًا وما هو متاح. 

ويبقى السكن ربما آخر معاقل الندرة. فالأرض محدودة بطبيعتها. ومع ذلك، فإن العمل عن بعد، وتحسن المواصلات، وظهور مدن جديدة، وزيادة كفاءة استخدام المساحات، وتراجع تكاليف البناء، قد تجعل السكن الجيد أكثر وفرة مما هو عليه اليوم.

ولعل أكثر ما يبعث على التفاؤل أن كثيرًا من الخدمات التي يتمتع بها المواطن العادي اليوم كانت خارج متناول الملوك أنفسهم قبل قرن أو قرنين فقط.

ولهذا ربما يكون السؤال الأهم ليس: هل يمكن أن يتحقق مجتمع الوفرة؟

بل: هل سننجح في إيصال ثمار العلم إلى الجميع؟

فالعلم أثبت قدرته على صنع المعجزات مرارًا، أما السياسة والاقتصاد والمؤسسات فهي التي تحدد من يحصل على تلك المعجزات ومتى. وصحيح أن ثمارها لم تصل إلى الجميع بالقدر نفسه عبر التاريخ، لكن الاتجاه العام للحضارة يبدو واضحًا: التكنولوجيا تجعل ما كان نادرًا أكثر وفرة عامًا بعد عام.

وربما تكمن مفارقة التقدم العلمي في أنه لا يقضي على الندرة، بل ينقلها من مكان إلى آخر. فبعد أن كانت الندرة في الغذاء والطاقة والمعرفة، قد تصبح غدًا في الوقت، والانتباه، والعلاقات الإنسانية، وربما في البحث عن المعنى نفسه.

كلمات البحث
الأكثر قراءة