في الحادي والثلاثين من ديسمبر عام 1600، كانت لندن ترتجف من البرد.. لكن شيئاً آخر كان يشتعل في العقول.
وقّعت الملكة إليزابيث الأولى مرسوماً منح مجموعة من التجار حق تأسيس شركة الهند الشرقية.. لم يكن الحدث في ظاهره أكثر من توقيع ملكي، لكن التاريخ يعلمنا أن بعض التوقيعات تغيّر العالم أكثر مما تفعل الجيوش.
كانت بريطانيا آنذاك تحلم بالبحار البعيدة والأسواق المفتوحة.. أرادت أن تنافس البرتغال وهولندا، لكن الخزانة لم تكن تملك ما يكفي لتحقيق هذا الحلم.. وهنا ظهر السؤال الذي يتكرر في كل عصر: ماذا يفعل الإنسان عندما تكون أحلامه أكبر من موارده؟
كانت الإجابة بسيطة وعبقرية في الوقت نفسه.. يتشارك الناس الحلم.
اجتمعت الأموال الصغيرة لتصنع قوة كبيرة. لم يعد التاجر مضطراً إلى المغامرة بكل ثروته في سفينة قد تبتلعها العواصف.
أصبح بإمكانه أن يشتري سهماً، وأن يشارك في الرحلة دون أن يغادر بيته. هكذا وُلدت فكرة المشاركة الاستثمارية. وهكذا اكتشف الإنسان أن المخاطر تصبح أخف عندما تتوزع، وأن الأحلام تصبح أقرب عندما يحملها كثيرون.
والتاريخ، على عكس ما نظن، لا يموت.
إنه فقط يبدّل ثيابه، ويغير أسماء أبطاله، ثم يعود إلينا من باب آخر.
لهذا تذكرت تلك الحكاية القديمة عندما استمعت إلى ما طرحه المهندس خالد هاشم بشأن إنشاء صندوق استثمار صناعي جديد.. الفكرة في ظاهرها مالية، لكنها في جوهرها إنسانية قبل أن تكون اقتصادية.
لماذا تبقى الصناعة حكراً على أصحاب رؤوس الأموال الضخمة؟ ولماذا يُحرم صاحب المدخرات المحدودة من المشاركة في مصنع أو خط إنتاج أو مشروع تصديري كبير؟
الفكرة الجديدة تحاول أن تجيب. فالناس تعرّفوا خلال السنوات الأخيرة إلى صناديق الذهب والعقارات.. وهي أدوات ناجحة بلا شك.. لكن الذهب، مهما ارتفع سعره، يظل جالساً في خزائنه.. لا يشغّل عاملاً، ولا يفتح باب رزق، ولا يضيف قطعة جديدة إلى الاقتصاد.
أما المصنع فله طبيعة مختلفة.. إنه كائن حي تقريباً.
يدور، وينتج، ويوظف، ويصدر، ويخلق قيمة جديدة كل صباح.
لذلك يبدو الفرق عميقاً بين من يشتري وثيقة ترتبط بمعدن ساكن، ومن يشتري حصة في ماكينة لا تتوقف عن العمل. الأول يراهن على حركة الأسعار، والثاني يشارك في صناعة الثروة نفسها.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة.
فالمال الذي ظل سنوات يبحث عن ملاذ آمن، يمكن أن يتحول إلى قوة إنتاج. والمدخرات الصغيرة المتناثرة يمكن أن تصبح مصانع كبيرة. والفرد الذي ظن أن الصناعة بعيدة عنه، قد يجد نفسه شريكاً فيها.
هل يكفي ذلك وحده لتحقيق الأحلام الكبرى؟
بالطبع لا.
لكن أي حلم كبير بدأ بشيء آخر غير فكرة صغيرة؟
إنجلترا التي نافست البرتغال وهولندا لم تبدأ بأساطيل تملأ البحار، بل بدأت بفكرة أقنعت الناس أن يشتركوا في الحلم. والصين وألمانيا وأمريكا لم تصل إلى ما وصلت إليه في يوم واحد.
الفرق دائماً بين أمة وأخرى ليس حجم الحلم، بل عدد الذين يشاركون فيه.
وربما يكون أجمل ما في هذه الفكرة أنها لا تبحث عن أموال الناس فقط.. بل تدعوهم إلى أن يكونوا جزءاً من قصة أكبر.
فالثروة الحقيقية ليست ما نملكه وحدنا، وإنما ما نستطيع أن نبنيه معاً.. ولا أحد يعلم.. ربما يأتي اليوم الذي تنافس مصر فيه الصين وأمريكا وألمانيا كما جاء اليوم الذي نافست فيه بريطانيا (المملكة المتحدة) هولندا والبرتغال بل وتفوقت عليهما.. ربما، فكل حلم كبير بدأ بفكرة صغيرة.