جامعة الدول العربية إرث ومسئولية

25-6-2026 | 14:58

حين يُثار الحديث عن إصلاح جامعة الدول العربية، تقفز إلى الواجهة حقيقة مهمة، وهي أن الجامعة العربية، برغم كل ما تعرضت له من انتقادات، لا تزال المؤسسة العربية الوحيدة التي صمدت أمام تحولات إقليمية ودولية غير مسبوقة.

فمنذ تأسيسها عام 1945، تعاقبت الحروب، وسقطت أنظمة، وتبدلت التحالفات، وانقسمت الدول، بينما بقيت الجامعة الإطار السياسي الجامع الذي يحافظ على الحد الأدنى من التواصل العربي، حتى في أشد لحظات الانقسام.

جاء تأسيس الجامعة في الثاني والعشرين من مارس عام 1945، تتويجًا لعقود من الفكر القومي العربي والسعي إلى إيجاد إطار يجمع الدول العربية المستقلة حديثًا، وقد سبق إعلانها مؤتمر الإسكندرية عام 1944، الذي وضع الأساس لميثاقها، قبل أن توقع سبع دول عربية على الوثيقة التي أنشأت أول منظمة إقليمية عربية في التاريخ الحديث.

منذ البداية، حدد ميثاقها أهدافًا واضحة، تمثلت في توثيق العلاقات بين الدول العربية، وتنسيق سياساتها، وصيانة استقلالها وسيادتها، وتعزيز التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والنظر في المصالح العربية المشتركة، غير أن واضعي الميثاق فضلوا الحفاظ على سيادة الدول الأعضاء، فأصبحت صلاحيات الجامعة تتمثل في قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة مرتبطة بمدى توافق الحكومات العربية، وهو ما رافق مسيرتها حتى اليوم.

فقد أرسى عبدالرحمن عزام، القواعد الأولى للمؤسسة الوليدة، وعمل عبدالخالق حسونة، على ترسيخ حضورها خلال مرحلة المد القومي العربي، بينما لعب محمود رياض دورًا بارزًا في إدارة الملفات الإقليمية مستفيدًا من خبرته الدبلوماسية الواسعة. 

وجاء عصمت عبدالمجيد في مرحلة إعادة ترتيب النظام العربي بعد أزمة غزو الكويت، ثم منح عمرو موسى الجامعة حضورًا سياسيًا وإعلاميًا لافتًا للنظر، وسعى إلى توسيع دورها في القضايا الإقليمية، أما نبيل العربي فقد تولى منصبه في أكثر اللحظات توترًا في المنطقة العربية، إذ تزامنت فترة ولايته مع موجات الربيع العربي.

وفي السنوات الأخيرة، تولى أحمد أبوالغيط مسئولية الأمانة العامة في مرحلة ربما تكون الأكثر تعقيدًا، إذ واجهت الجامعة تحديات الحروب الأهلية، وتصاعد التدخلات الإقليمية، والأزمات في ليبيا واليمن والسودان وسوريا، والحرب في غزة، ولبنان، إلى جانب محاولات إعادة دمج بعض الدول العربية في منظومة العمل المشترك، ورغم صعوبة هذه المرحلة، حافظت الجامعة على استمرار انعقاد مؤسساتها، وسعت إلى بلورة مواقف عربية موحدة كلما أمكن ذلك.

ومع انتهاء ولاية أحمد أبوالغيط في الثلاثين من يونيو 2026، يتولى الدبلوماسي المصري نبيل فهمي، منصب الأمين العام، اعتبارًا من الأول من يوليو، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الجامعة العربية، ويكتسب هذا الانتقال أهمية خاصة، لما يمتلكه فهمي من خبرة دبلوماسية واسعة، شملت توليه وزارة الخارجية المصرية وسفارة مصر في الولايات المتحدة، ومشاركته في ملفات إقليمية ودولية معقدة، كما اعتاد العمل وسط بيئات سياسية متشابكة، تتطلب التوازن بين الثبات على المصالح والمرونة في إدارة الخلافات، وبالطبع المرحلة المقبلة تبدو أكثر احتياجًا إلى دبلوماسية قادرة على بناء التوافقات أكثر من أي وقت سابق، مما يجعل خبرته أحد أهم عناصر الرهان على قدرته في قيادة الجامعة خلال المرحلة المقبلة.

فالتحديات لم تعد تقتصر على النزاعات التقليدية، بل تمتد إلى الأمن المائي، والأمن الغذائي، والتحول الرقمي،والتغيرات المناخية، ومكافحة الإرهاب، وإعادة إعمار الدول التي أنهكتها الصراعات، فضلاً عن استمرار القضية الفلسطينية بوصفها القضية المركزية للعالم العربي.

لقد أثبت التاريخ أن الجامعة كانت دائمًا انعكاسًا لإرادة أعضائها، فإذا اتحدت الإرادة العربية أصبحت أكثر تأثيرًا، وإذا تفرقت تراجعت قدرتها على الفعل. 

من هنا، فإن مستقبل الجامعة لا تحدده نصوص الميثاق وحدها، بل استعداد الدول العربية لاستثمار هذه المؤسسة التاريخية باعتبارها آخر مظلة عربية جامعة، وحماية إرثها، وتطوير دورها، حتى تبقى عنوانًا لفكرة التضامن العربي، لا مجرد شاهد على خلافاته.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة