لم يكن مفهوم رجل الدولة الشامل يومًا مجرد توصيف سياسي؛ بل هو حالة نادرة تلتقي فيها صلابة المقاتل بحكمة المفكر ورؤية المثقف والإدارة الرشيدة، وتتجلى هذه العبقرية الفريدة، في مسيرة اللواء دكتور سمير فرج، بوصفه النموذج الأبرز الذي يجمع بين الانضباط الصارم وفقًا للتقاليد العسكرية، وعمق الرؤية السياسية، ورحابة الحس الثقافي والفني، علاوة على تواضعه الجم وعلاقاته الإنسانية الممتدة مع مرءوسيه وتلاميذه، حيث يمثل حالة تجلٍ لعقلية فريدة، من خلال مكانته الرفيعة كجنرال خاض معارك السلاح بأوراق القوة، وأدار معارك التطوير في كل مكان تولى فيه المسئولية، بالعلم والمعرفة فجمع بين القوتين الصلبة والناعمة، وأصبح المرجع الإستراتيجي والمحلل العسكري الذي تستمع إليه الأمة بثقة ويقين، في أدق لحظات التحول الإقليمي والوضع العالمي الذي لم تستقر الرؤى إلى أين يتجه.
ولا يمكن فهم مسيرة اللواء دكتور سمير فرج وعبقريته الإستراتيجية، دون العودة إلى تكوينه العسكري في الحروب النظامية، فقد تخرج في الكلية الحربية عام 1964، وشارك في حرب الاستنزاف وانتصار أكتوبر، مجسدًا روح المقاتل المصري الذي لا يعرف المستحيل، لكن المحطة التي حفرت في ذاكرة الإعلام الدولي والأوساط السياسية والعسكرية كانت مناظرته الشهيرة مع أرييل شارون، في المعهد الملكي للدراسات الإستراتيجية بلندن عقب حرب أكتوبر المجيدة، في تلك المواجهة الشرسة لم يكن سمير فرج مجرد ضابط يتحدث عن نصر عسكري؛ بل كان عقلاً إستراتيجيًا فريدًا يدحض الأكاذيب الإسرائيلية بالحجة الدامغة والخرائط الموثقة والمنطق القانوني الواضح والحاسم، في هذه المناظرة استطاع زلزلة كبرياء شارون في عقر دار الفكر الغربي، وأثبت للعالم أجمع أن العقل العسكري المصري يملك من الندية والعمق، ما يتفوق به في معارك الحوار والسياسة، مثلما تفوق في ميادين القتال.
هذه الكفاءة النادرة جعلت منه قائدًا ومعلمًا لأجيال من أبطال القوات المسلحة، وهنا تبرز واحدة من أسمى المحطات الإنسانية والوطنية في حياته، فلم تكن علاقة القائد بضباطه مجرد تراتبية عسكرية روتينية؛ بل كانت علاقة رعاية واهتمام وعمق معرفي واكتشاف مبكر لسمات القيادة والمسئولية، ولعلنا نتذكر جميعًا تلك الندوة التثقيفية المؤثرة للقوات المسلحة، حينما تحدث الرئيس السيسي أمام الملايين بكل إجلال ووفاء وتقدير عن قائده اللواء سمير فرج، حين عمله معه في بداية عمله، وكان اللواء سمير فرج آنذاك قائدًا للكتيبة 18 مشاة ميكانيكي معلنًا للجميع كيف تعلم منه أصول القيادة، وكيف كان هذا الجنرال حريصًا على ضباطه وبناء وعيهم، إن شهادة الرئيس السيسي في حق قائده هي تجسيد حي لعقيدة القوات المسلحة المصرية القائمة على الوفاء والاعتراف بالفضل جيلاً بعد جيل.
ولم يتوقف عطاء اللواء سمير فرج عند حدود الميدان والثكنات العسكرية، فقد أحدث تحولاً كبيرًا عندما تولى إدارة الشئون المعنوية بالقوات المسلحة، حيث نجح برؤيته الثاقبة في تطوير الإعلام العسكري وصياغة وعي جمعي يربط الشعب بجيشه من خلال لغة عصرية وأدوات إعلامية متطورة، ومن محراب الوعي العسكري إلى منارة الإبداع انتقل لتولي رئاسة دار الأوبرا في خطوة أثبتت أن المقاتل، يؤمن أيضًا بأن الثقافة هي العصب الحيوي لحماية الهوية الوطنية، وتجلى ذلك من خلال القفزة النوعية التي حدثت في دار الأوبرا على المستويين الإداري والفني، ونقل الفنون الرفيعة إلى مختلف المحافظات، مؤكدًا أن قوى مصر الناعمة هي خط الدفاع الأول ضد قوى الظلام والتطرف.
وإذا كان لكل مسئول ميدان يختبر قدرته التنفيذية على الأرض، فقد كانت محافظة الأقصر هي المسرح الذي صنع فيه اللواء سمير فرج نهضة عمرانية وسياحية غير مسبوقة خلال فترة توليه المسئولية كمحافظ لها، حيث أدار الأقصر بمنظور إستراتيجي واقتصادي، من خلال خطة شاملة لتطوير المدينة وإعادة فتح طريق الكباش التاريخي، متغلبًا على كافة المعوقات والتحديات، وحول الأقصر إلى متحف عالمي مفتوح، مما أهلها لنيل جوائز دولية كأفضل مدينة سياحية في العالم، وتقديرًا لهذه الجهود المخلصة التي غيرت وجه الحياة في الجنوب، وتسهيلاً لحركة التجارة والسياحة، جاء إنشاء محور اللواء سمير فرج في الأقصر ليربط شرق المدينة بغربها، ويكون شريانًا تنمويًا هائلاً يختصر الوقت والمسافات، شاهدًا حيًا على فكر رجل يعرف كيف يغير ملامح مدينة بين عشية وضحاها، وتكريمًا لقائد بنى مسارات للمستقبل وصنع إرثًا باقيًا عابرًا للأجيال.
وامتدادًا لهذا العطاء، لم تكن الرؤية الإستراتيجية للواء سمير فرج حبيسة الأروقة المغلقة، بل صاغها في مؤلفات وكتب مرجعية رفيعة المستوى، أثرت المكتبة العسكرية والسياسية المصرية والعربية، فقد وضع نتاج خبرته الطويلة في كتب تناولت قضايا الأمن القومي، وإدارة الأزمات الدولية، ورسم ملامح الصراع الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط وتميزت كتبه بدقة التحليل وسلاسة الأسلوب، لتصبح مرجعًا لا غنى عنه للباحثين والمخططين الإستراتيجيين، ودليلاً علميًا يربط بين النظرية السياسية والتطبيق العسكري على أرض الواقع.
ويتجلى البعد الأكاديمي عند اللواء دكتور سمير فرج في دوره الحالي كمستشار للأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية، حيث يعد أحد أهم أعمدتها المعرفية التي تتلمذ على يديها فيها قادة عسكرية ومدنية، ومن فوق منصات العلم، يواصل الجنرال الاستثنائي إلقاء المحاضرات حول مفاهيم الأمن القومي وتحديات الجيل الرابع والخامس من الحروب، لصقل وعي الباحثين من العسكريين والمدنيين على حد سواء، ولا تقتصر بصمته الأكاديمية على المحاضرات فحسب، بل يمثل ركيزة أساسية في البحث العلمي بمصر من خلال إشرافه الدقيق ومناقشاته الثرية لرسائل الماجستير والدكتوراه، واضعًا معايير صارمة للبحث الأكاديمي، ومورثًا الأجيال الجديدة التفكير المنهجي والمنظم في مواجهة الأزمات.
تظل مسيرة اللواء دكتور سمير فرج، الممتدة اليوم كأبرز محلل عسكري وإستراتيجي في الوطن العربي، تجسيدًا أسمى لنموذج المفكر الوطني الذي لم يلهث يومًا وراء بريق مؤقت، بل ظل متمسكًا بمبادئ النزاهة المطلقة، والعمق المعرفي، والولاء الخالص لتراب مصر.
وعندما تلتفت الأجيال القادمة لتستقرئ مسيرته، سيبقى اسم اللواء دكتور سمير فرج محفورًا بحروف من نور، كمسئول وقائد من طراز فريد، وأحد رجالات مصر العظام، الذين صانوا شرف العسكرية في ميادين القتال، ورفعوا راية الفكر والوعي في منابر العلم والثقافة، لتظل مسيرته مدرسة ملهمة في العطاء، وشاهدة على أن عظمة الأوطان تصنعها عقول تملك درعًا يحمي، وقرارًا يبني، ويقينًا راسخًا لا يتزعزع بأن عزة هذا الوطن وسيادته هما الغاية والمنتهى.