الباقيات الصالحات.. الزاد الذي لا يفنى

25-6-2026 | 15:06

في حياة الإنسان أشياء كثيرة يسعى إليها ويجتهد في تحصيلها؛ فمن الناس من يجعل همه جمع المال؛ ومنهم من يحرص على المكانة والجاه؛ ومنهم من يفتخر بما يملك من أبناء وأقارب وأصدقاء. وهذه كلها نعم عظيمة من الله تعالى؛ لكنها تبقى مرتبطة بالدنيا، قد تزيد وقد تنقص؛ وقد تبقى وقد تزول. 

أما ما يبقى للإنسان حقًا بعد رحيله؛ وما يرافقه إلى قبره ويجده يوم القيامة؛ فهو العمل الصالح الذي أخلص فيه لله تعالى؛ ولهذا سماها القرآن الكريم "الباقيات الصالحات".

قال الله تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا﴾ سورة الكهف "الآية ٤٦" ففي هذه الآية الكريمة يبين الله أن المال والبنون زينة ومتاع يتمتع به الإنسان في حياته؛ لكنه متاع مؤقت لا يدوم؛ بينما الأعمال الصالحة هي الباقية النافعة التي يجد الإنسان أثرها في الدنيا والآخرة.

وقد اختلف العلماء في المقصود بالباقيات الصالحات؛ لكنهم اتفقوا على أنها تشمل كل عمل صالح يبقى ثوابه عند الله. ومن أشهر ما ورد فيها الأذكار العظيمة: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" وزاد بعض العلماء "ولا حول ولا قوة إلا بالله". وهذه الكلمات اليسيرة على اللسان عظيمة في الميزان؛ تثقل صحائف الحسنات؛ وتزيد العبد قربًا من ربه؛ وتمنحه الطمأنينة والسكينة.

ولا يقتصر معنى الباقيات الصالحات على الذكر وحده؛ بل يشمل كل عمل صالح يؤديه المسلم ابتغاء مرضاة الله. فالصلاة من الباقيات الصالحات؛ والصدقة من الباقيات الصالحات؛ وبر الوالدين من الباقيات الصالحات؛ وصلة الرحم؛ وإغاثة المحتاج؛ وإدخال السرور على قلب إنسان؛ وتعليم العلم النافع؛ وتلاوة القرآن؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كلها أعمال تبقى آثارها وثوابها عند الله تعالى.

ومن أعظم ما يميز الباقيات الصالحات أنها لا ترتبط بغنى أو فقر؛ ولا بقوة أو ضعف؛ ولا بمكانة أو منصب. فكل إنسان يستطيع أن ينال منها نصيبًا كبيرًا. فقد يعجز المرء عن التصدق بالمال؛ لكنه لا يعجز عن التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير. وقد لا يملك النفوذ أو الجاه؛ لكنه يملك كلمة طيبة ترفع معنويات إنسان أو تواسي مهمومًا أو تنصح غافلًا.

كما أن الباقيات الصالحات تمثل استثمارًا حقيقيًا للمستقبل. فالإنسان العاقل لا ينشغل بما يفنى وينسى ما يبقى؛ بل يوازن بين أمور دنياه وآخرته. وإذا كان الناس يحرصون على ادخار الأموال وتأمين مستقبلهم الدنيوي؛ فإن الأولى بهم أن يحرصوا على ادخار الحسنات التي ستكون أعظم ما يحتاجون إليه يوم القيامة؛ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

وتظهر قيمة الباقيات الصالحات بوضوح عندما يتأمل الإنسان سرعة مرور العمر. فالأيام تمضي؛ والأعوام تتوالى؛ وما كان بالأمس حلمًا أصبح اليوم ذكرى. وحين ينظر المرء إلى ما مضى من حياته يدرك أن كثيرًا مما شغله قد زال أثره؛ بينما تبقى الأعمال الصالحة نورًا في قلبه وأجرًا مكتوبًا في صحيفته. ولذلك كان السلف الصالح يحرصون على اغتنام الأوقات وعدم التفريط في فرصة لفعل الخير أو ذكر الله.

إن الباقيات الصالحات ليست مجرد كلمات تُقال؛ بل هي منهج حياة يربط الإنسان بربه ويجعله أكثر إحسانًا إلى الناس وأكثر وعيًا بحقيقة وجوده في هذه الدنيا. وهي دليل على صدق الإيمان وحسن التوكل على الله؛ لأنها تعكس اهتمام الإنسان بما يبقى على ما يفنى.

وفي الختام، فإن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان وراءه ليس مالًا ولا منصبًا ولا شهرة؛ وإنما رصيد من الأعمال الصالحة التي تنفعه بعد موته. فطوبى لمن عمر أيامه بالذكر والطاعة والإحسان؛ وجعل من الباقيات الصالحات زادًا له في رحلته إلى الله؛ فهي خير ثوابًا؛ وخير أملًا؛ وخير ما يدخره الإنسان لنفسه في الدنيا والآخرة.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة