وزيرة الثقافة بين كسر مركزية الثقافة.. ورسم خريطة العدالة الثقافية

25-6-2026 | 12:49

حين تتحرك وزيرة الثقافة صباحًا من مكتبها في العاصمة إلى قصر ثقافة المنيا، ثم إلى قصر ثقافة أبوقرقاص، فهي لا تقوم بجولة تفقدية تقليدية. هي ترسم عمليًا ملامح مشروع الدولة الأهم في المرحلة الراهنة: "كسر مركزية الثقافة وتحويلها من امتياز جغرافي إلى حق دستوري لكل مصري، من العاصمة إلى أقصى نجع في الصعيد".

زيارة الدكتورة جيهان زكي، وزير الثقافة، إلى محافظة المنيا صباح أمس الأربعاء، والتي افتتحت خلالها الملتقى الإقليمي الثالث والعشرين لأدباء وسط الصعيد تحت عنوان "الثقافة بين الهوية والتحولات الأدبية"، تمثل تلك الزيارة نقطة محورية في إستراتيجية الوزارة الجديدة. فالرسالة واضحة: الثقافة لن تظل محصورة في مسارح القاهرة ومتاحفها، بل ستذهب إلى حيث الناس.

 نهاية عصر "القاهرة أولاً" 

فمنذ عقود طويلة والخطاب الثقافي في مصر يعاني من مركزية خانقة. الكاتب والفنان والمسرحي كان لا بد أن "يهاجر" للقاهرة ليحصل على اعتراف وفرصة ونشر. النتيجة: محافظات كاملة تعيش على هامش المشهد الإبداعي، ومواهب تُدفن قبل أن تُكتشف.

تحركات الوزيرة الحالية تقول النقيض من ذلك تمامًا. اختيار المنيا - قلب الصعيد وأحد أكبر تجمعاته السكانية - لافتتاح ملتقى إقليمي للأدباء ليس صدفة. الملتقى هذا العام يطرح قضية في غاية الخطورة: "الثقافة بين الهوية والتحولات الأدبية". سؤال مركزي لا يمكن مناقشته في قاعات مغلقة بالقاهرة، بل يحتاج إلى صوت المثقف الصعيدي، إلى حكايات النيل، إلى وجع التحولات التي تعيشها القرى.

بحضور اللواء عماد كدواني محافظ المنيا، وبرعاية الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة، سيتحول الملتقى من مجرد ندوات إلى منصة حقيقية تمنح أديب المنيا وأسيوط وسوهاج مساحة الظهور نفسها التي يحصل عليها أديب القاهرة.

 قصور الثقافة.. من مبانٍ إلى محركات تنمية

 هذا محور الجزء الثاني من جولة الوزيرة الأكثر دلالة. زيارة قصر ثقافة المنيا وقصر ثقافة أبوقرقاص "لمتابعة البرامج المقدمة والوقوف على آليات تطوير الأداء ورفع كفاءة البنية التحتية" هي عصب المشروع كله.

الفكرة القديمة كانت: ابنِ قصر ثقافة وانتهى الأمر. الفكرة الجديدة التي تقودها الوزيرة: القصر ليس جدرانًا، بل "مصنع وعي". حين تسأل الوزيرة عن البرامج، وعن كفاءة الأداء، وعن البنية التحتية، فهي تضع يدها على الجرح الحقيقي.

فلندحرج سؤالًا مهمًا طرأ على ذهني الآن: ما الفائدة من قصر ثقافة فاخر إذا كانت أنشطته مكررة، ورواده قلة، وتأثيره صفر؟! وآخر أكثر أهمية: ما الفائدة من مكتبة إذا لم تتحول إلى نادي قراءة، ومسرح إذا لم يقدم عروضًا تمس مشاكل الناس؟

توجيهات الوزيرة تعني تحويل قصور الثقافة من أماكن انتظار إلى "خلايا نحل" ثقافية. ورش فنون للأطفال، مسرح للشباب، ندوات فكرية للكبار، تدريب مهني للمرأة. هذا هو المعنى الحقيقي لـ "الثقافة حياة" - المشروع الإستراتيجي الذي أطلقته الوزارة ليكون الثقافة جزءًا من حياة الناس اليومية، لا مناسبة احتفالية كل عام.

العدالة الثقافية ركيزة الجمهورية الجديدة

 تجيء هذه التحركات في إطار رؤية الدولة "الجمهورية الجديدة" التي جعلت من "بناء الإنسان" هدفها المركزي. وبناء الإنسان لا يتم بالأسمنت فقط، بل بالوعي والوجدان والهوية.

ويظهر هنا جليًا مفهوم "العدالة الثقافية" الذي ترفعه وزيرة ثقافة مصر د. جيهان زكي كشعار عملي لا نظري. العدالة الثقافية تعني أن طفل أبوقرقاص له الحق نفسه في ورشة رسم، ونادي علوم، وعرض عرائس، مثل طفل الزمالك. تعني أن مبدع المنيا يستحق منصةً ودعمًا ونشرًا مثل مبدع وسط البلد.

كسر المركزية إذن ليس شعارًا رومانسيًا. هو قرار سياسي واجتماعي عميق. وإدراك أن مصر القوية لا تُبنى بعمارات القاهرة وحدها، بل بوعي أبنائها في كل شبر من أرضها. "القوى الناعمة" التي تتحدث عنها الدولة لن تكون قوية إذا كانت محصورة في 5% من الجغرافيا.

 ويقيني أن ربط الوزارة بين الثقافة والأمن القومي ليس مبالغة بالمرة. الفراغ الثقافي تملأه أفكار أخرى. غياب المسرح والكتاب والسينما في القرية يترك الشباب فريسة للتطرف واليأس والإحباط.

عندما تذهب وزيرة الثقافة بنفسها إلى المنيا، فهي تقول لشباب الصعيد: "أنتم في حسابات الدولة، وإبداعكم يهمنا، وهويتكم جزء من هوية مصر". هذه الرسالة وحدها سلاح ضد كل دعوات التهميش والانفصال.

مشروع "الثقافة حياة" الذي يسعى إلى تحقيق أهدافه على أرض الواقع، يراهن على أن الاستثمار في العقل والوجدان هو الاستثمار الأطول أمدًا والأكثر أمانًا. قصر ثقافة نشط في المنيا أخطر على التطرف من ألف حملة أمنية.

ومن الزيارة إلى الإستراتيجية، وهنا نؤكد أن زيارة المنيا ليست حدثًا إخباريًا وانتهى؛ بل هي نموذج يجب أن يتكرر. الوزيرة التي تتفقد، وتسأل عن البرامج، وتقيس الأثر، وتفتح أبواب العاصمة لمبدعي الأقاليم، هي وزيرة تفهم أن الثقافة ليست أمرًا كماليًا، فهي ليست وزيرة قص الشريط، بل وزيرة ميدانية تسأل عن البرامج والبنية التحتية.

"معًا نصنع الجمال والبهجة والوعي" - الهاشتاج الذي ترفعه الوزارة ليس شعارًا للزينة. الجمال يبدأ حين يجد فنان الصعيد فرشاته. البهجة تولد حين يضحك طفل أبوقرقاص في مسرح قصر الثقافة. الوعي يتشكل حين يقرأ شاب المنيا رواية تناقش هويته وتحولاته.

كسر مركزية الثقافة طريق طويل، وزيارة المنيا خطوة أولى ثابتة عليه. الطريق يحتاج إرادة سياسية، وموازنات، وعقول مبدعة في الإدارة - وهذا ما بدأت الدكتورة جيهان زكي في تجسيده. من القاهرة إلى المنيا، ومن القصور إلى النجوع، تُكتب الآن خريطة ثقافية جديدة لمصر... خريطة لا مركز فيها إلا الإنسان المصري أينما كان.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: