يُشكل إنشاء، وتشغيل مراكز البيانات السحابية مجالاً استثماريًا واعدًا بدأت مصر خطواته الأولى بمنح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات عشرة تراخيص لمستثمرين في هذا المجال، آخرها لشركة مصرية باستثمارات تقدر بحوالي ٤٠٠ مليون دولار.
أهمية مراكز البيانات السحابية لا تقتصر على الشق الاقتصادي فقط، ولكنها تتجاوز ذلك بكثير فهي لا تعني مجرد تخزين المعلومات، ولكنها أصبحت من أهم عناصر القوة الاقتصادية، والتكنولوجية للدول، ويمكن تشبيهها بموانئ التجارة، أو حقول النفط.
وجود بيانات الدولة داخل حدودها يأتي ضمن تدعيم دوائر الأمن القومي لها، من خلال سيطرتها على المعلومات الحساسة، وتقليل اعتمادها على بنية تحتية خارجية لا تمتلك مفاتيح التحكم بها. التجارة الإلكترونية، والخدمات البنكية الرقمية، والحكومة الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، كلها تعتمد على مراكز البيانات.
يشهد سوق مراكز البيانات نموًا عالميًا متسارعًا بسبب الطلب المتزايد على خدمات الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة. التقارير العالمية تشير إلى أن حجم استثمارات هذا القطاع يبلغ حاليًا نحو 430 مليار دولار موزعة بشكل رئيسي بين الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، واليابان، والهند مع توقعات بتجاوزه ٦ تريليونات دولار بحلول عام 2035.
تمتلك مصر مزايا نسبية عديدة تؤهلها لأن تصبح منافسًا قويًا في هذا المجال؛ حيث يمر بها عدد كبير من الكابلات البحرية للإنترنت، ولديها ثروة شبابية لا تضاهى، علاوة على سيرها بخطوات ثابتة لزيادة قدرات توليد الطاقة الكهربائية من مصادر متنوعة.
توافر الطاقة الكهربائية بشكل ثابت، ومستدام يمثل العامل الحاسم في هذا القطاع، ومع استمرار تنفيذ الخطة المصرية لتنويع مزيج الطاقة، ودخول وحدات محطة الضبعة النووية تباعًا على شبكة الكهرباء، يتيح الموقع الجغرافي الإستراتيجي لمصر ميزة متفردة لتصبح مركزًا إقليميًا لتخزين البيانات.
تصريحات وزير الاتصالات المهندس رأفت هندي بأن الوزارة تعمل بالتعاون مع الجهات المعنية على إعداد إستراتيجية وطنية متكاملة لمراكز البيانات، والحوسبة السحابية تعكس الإدراك الواعي بأهمية هذا القطاع، خاصة إذا ما تم تطوير البنية التشريعية، ووضع هذه المشروعات ضمن حزمة الرخصة الذهبية.
تحويل مصر لمركز إقليمي لتداول البيانات والخدمات الرقمية هدف ليس صعب التحقق. الدول التي سبقت إلى امتلاك موانئ التجارة في القرن التاسع عشر حصدت ثمارها لعقود، والدول التي امتلكت النفط في القرن العشرين اكتسبت النفوذ والثروة.
أما الآن فالسباق الحقيقي يدور حول البيانات، ومن ينجح في استضافتها وإدارتها سيملك أحد أهم مفاتيح القوة الاقتصادية في المستقبل.