أذكر جيدًا معلم التربية الدينية وأنا في المرحلة الابتدائية، أستحضر ملامحه القاسية وأسلوبه الفظ في وقت تسميعه للقرآن الكريم، أتابع عصًا كان يمسكها بيده تفوق طول تلاميذه الذين أتعسهم القدر بأن يكونوا بين يديه كالعصافير تحت مقصلته، أتذكر توسلاتهم المختلطة بالدمع الغزير، وأذكر رفضه ولو كان عندهم حق، يرجونه ولكن لا حياة لمن تنادي.
البعض كانوا يشكون من إهمال أهل لم يساعدوهم على حفظ الآيات القرآنية المطلوب حفظها منهم، فالعمر الصغير بسنواته المعدودات لم يمكنهم من الاعتماد على أنفسهم، ولم تشفع كل الأسباب التي أحاطت بهم في أثناء الضرب المبرح عنهم.
مرت السنوات ووجدت نفسي معلمة للمادة التي تركت ذكرياتها مشاهد الألم في نفسي، فكرت كثيرًا حتى ألهمني ربي الحل الذي من خلاله بقي الدين بمعناه السمح كما هو، تمر حصته بكل أمن وسلام ورغبة عارمة في استمرارها حتى إن بعضهم كان يجلس بعد جرس انتهاء اليوم، رغبة ومحبة لما كانوا يسمعونه ويدرسونه بكل حب.
قررت أن أصحبكم معي لأروي لكم ما تفضل الله به علي لكي أحقق الهدف بأقل جهد منهم، حصة التربية الدينية بلا عقاب أخيرًا حققت أملًا سكن بالفؤاد زمنًا حتى تحقق الأمل ونجح المقصد.
كنت أحدثهم قبل بدء تدريس آياته وأقول لهم: لسنا ببغاوات لنكرر ما ينطق دون فهم لمعانيه ومفرداته، أحاول أن أبسط لهم المعنى ليستوعبوه ويدركوا ما تنطق به ألسنتهم، وبعد الشرح والتبسيط الشديد أبدأ بتلاوته متبعة أحكامه، أقرأ الآية الأولى ويرددون هم خلفي إلى أن يطمئن قلبي لحفظهم لها، فأردف الآية الثانية وأجعلهم يرددونها أيضًا، أطلب منهم قراءة الآيتين معًا، ثم أضم الثالثة متبعة نظام الكتاتيب الذي أظنه ناجحًا لكن بلا عقاب أو ضرب.
أذكر لهم أن قراءتي معهم تجعلنا نكسب نصيبًا أوفر من الحسنات عند رب العالمين، فتزداد رغبتهم في حصد الكثير من الحسنات، فيخرجون من الحصة وهم يحفظون ما كان عبئًا عليهم وعلى أهليهم، وأفوز أنا بأثر فهم للدين عظيم، وحب لما تردده ألسنتهم ومن قبلها قلوبهم الصغيرة.
في بداية كل حصة أدخل فيها حجرة الدراسة عليهم أجد وجوهًا باسمة وذاكرة تتجدد عند البدء بالحديث معهم، أطلب منهم في البداية ترديد ما تمت دراسته من أول سورة إلى آخر سورة توقفنا عندها وهم ينظرون في كتبهم، وفي هذه الأثناء أكون جهزت سبورتي وفتحت دفاتري.
كان الزملاء يمرون ويندهشون من هدوئهم حينما أشرح لهم معاني الآيات وأذكرهم بأن الله لم يكن ليرضيه عذاب أحد منا فنحن عباده، نحن بشر لنا كرامة لا يجب أن تهان وإن كانت الإهانة في نظر البعض تبدو لصالحهم.
هكذا ظل أثري يراودهم، بقيت لهم صورة معلمتهم التي كانت لهم بمثابة أم حنون جعلتهم يحبون ما يدرسون، أراهم في أماكن متفرقة الآن في طريقي وأسعد بهم عندما ينادونني باسمي ويشكرون لي ما فعلت من أجلهم؛ الدين حياة للنفوس، وحياة النفوس لا تخضع لقهر ولا تستمر بألم.