عزيزي القارئ، لقد تعمدت أن أثير في مقال سابق مسألة البحث العلمي العابر للتخصصات، قناعة مني أن موضوع الإدارة التعاونية لحوض النيل يتطلب تناوله مشاركة العديد من الباحثين من مختلف التخصصات. ذلك أنه موضوع يؤثر ويتأثر بعوامل عديدة، منها التاريخي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والقانوني والثقافي.......الخ، وبحيث، وأقولها بكل ثقة وعلى مسئوليتي الشخصية، لا يمكن لباحث منفرد أن يقوم بها من منظور تخصص واحد.
ببساطة؛ لأن الباحث المنفرد سوف يصل إلى نتائج وتوصيات تفرضها موجبات تخصصه العلمي، ثم يفاجأ بما يعارضها ويعرقلها من جانب تخصص آخر. الأمر الذي كان يمكن تجنبه ومعالجته بمنتهى السهولة لو عمل كلا التخصصين معًا منذ البداية، وتعرف كل منهما على وجهة نظر التخصص الآخر فيما وصل إليه من نتائج.
ويبدو أن صديقي – النيل – قد أعجبته الكلمات، فقرأت في عينيه رغبة ملحة لمعرفة ما أوصلني إلى ذلك الرأي. وفورًا أخبرته عن حبي له وإعجابي به الذي نشأ منذ زمن بعيد، لدرجة أني اخترته موضوعًا لأطروحتي للحصول على درجة الدكتوراه، وبما دفعني دفعًا للتعرف على حقيقة الأمر.
السبب الثاني هو عملي بجامعة برجن ـ النرويج من خلال برنامج بحوث حوض النيل Nile basin Research Program ضمن فريق عمل عابر للتخصصات trans-disciplinary research Teamwork، حيث أتاح هذا البرنامج لي ولزملائي من دول الحوض التعايش على مدى شهور طويلة، والاحتكاك اليومي المباشر مع مختلف التخصصات، والتعرف على وجهات النظر المتنوعة في القضايا المتعلقة بهذا النهر.
كان بيننا القانوني والسياسي وعالم الاقتصاد والاجتماع والتاريخ والهندسة؛ أتاح لنا تواجدنا المستمر في نفس المكان سهولة المناقشة والتعرف على وجهات النظر لكافة التخصصات.
قد يصل الاقتصادي أو عالم الهندسة إلى حل رائع لمشكلة مائية، ثم لا يلبث أن يجد لها قيودًا ومستلزمات ومحددات من وجهة نظر القانون أو السياسة، فيعود إلى بحثه ينقحه ويضبطه، وما كان يتسنى له ذلك إن لم يكن هناك متخصصون يجلسون في الغرفة المجاورة له.
أتاح لي عملي ضمن هذا الفريق المتكامل الفرصة للتعرف على المنهج الذي يمكن من خلاله تطبيق ما توصلت إليه في رسالتي من قبل، وترسخت قناعتي في فترة عملي ضمن هذا الفريق بأن إدارة مياه حوض النيل لا يمكن أن تتم إلا من خلال منظور تعاوني تتضافر فيه جهود الباحثين من جميع التخصصات العلمية ذات الصلة، منظورًا أرجو أن أكون طرقت بابه في رسالتي، بحيث تكون مدخلاً لدراسات أكثر تعمقًا من قبل الزملاء المتخصصين لكل ما يتعلق بنهر النيل ومشكلاته التي تمتد لتشمل العديد من التخصصات العلمية.
لكنني وجدت صديقي صامتًا، وفي عينيه نفس نظرة الحزن التي اعتدت رؤيتها كلما تطرقنا إلى هذا الموضوع، نظرة تؤكد أن الإشكالية في منطقة حوض النيل هي قصور نظرة الدول المشتركة في مياهه عن فهم وإدراك أهمية الإدارة التعاونية لموارد النهر المائية، واعتبارها الحل الأمثل لجميع مشكلات هذا الحوض. وعلى قدر بساطة الإقرار بتلك الحقيقة، على قدر صعوبة التغيير والتنفيذ على أرض الواقع، الأمر المؤسف الذي أثبتته التجارب على مدى تاريخ طويل.
لكنني أخذت بيد صديقي مطمئنًا، ومؤكدًا له أن الجهود مستمرة لتوضيح أهمية وضرورة الحرص في اختيار الأسلوب الذي يتم من خلاله معالجة موضوع التعاون بين دول حوض نهر النيل في إدارة مياهه.
لتكن نظرتنا يا سادة إلى هذا النهر العظيم نظرة واقعية تعي حقائقه وفرصه الكامنة التي يمكن الاستفادة منها، نظرة وجدانية تراعي حساسية ومكانة ذلك النهر الذي تبارى العلماء والشعراء والقصاصون والرحالة في وصفه ورسم صور له ترسخت في الأذهان جيلا بعد جيل، وارتبطت ليس فقط بالتنمية والمشروعات وبناء السدود، ولكن أيضًا بالوجدان والمشاعر. ذلك النهر الذي يتسم بالتميز والخصوصية منذ لحظة انطلاقه في أدغال وغابات إفريقيا مصارعًا الطبيعة في معركة شرسة حتى يصل إلى مصر، حيث تسكن ثورة ذلك المارد العملاق وتهدأ ثائرته ويتحول إلى ابن بار يسير طائعًا في إطار منظومة نشأت وتطورت لترويضه وتهذيبه منذ أقدم العصور.....