«المرأة والكلمة».. يوم الصحفية المصرية

23-6-2026 | 19:55

«أتدرى ما معنى الكلمة؟ مفتاح الجنة فى كلمة، ودخول النار على كلمة، وقضاء الله هو الكلمة.. الكلمة نور، وبعض الكلمات قبور، وبعض الكلمات قلاع شامخة، يعتصم بها النبل البشري، الكلمة فرقان بين نبي وبغي». 

هكذا صاغ عبدالرحمن الشرقاوى قدسية الحرف، وعلّمنا أن الكلمة تمثل موقفا، وعُمرا يُبذل، وتشربنا هذه الهيبة فى «بلاط صاحبة الجلالة»، وداخل مدرسة «الصحافة القومية» العريقة، وعلمنا أن مؤسساتنا العريقة هي خط الدفاع الأول عن وعينا وحصن هويتنا الوطنية.

لقد ولدت فكرة احتفالية «المرأة والكلمة» من غصة فى القلب، وبحس إنسانى شجى؛ فقد تعايشت مع سيدات صحفيات رائدات ورأيت بعينى عطاءهن الاستثنائى ونضالهن اليومى، بعضهن غبن عن المشهد دون تكريم واحد يليق بتاريخهن ورحلتهن الطويلة الصعبة، كل منهن أفنت عمرها كله، بدمها وأعصابها، فى خدمة هذه المهنة الشريفة، ولم تنل التقدير الذى يوازى تضحياتها، ورغم أن هذا التغافل قد يطال بعض الزملاء من الرجال أيضًا، إلا أنهم يملكون دائمًا فرصًا ومنصات أخرى للتقدير، من هنا، شعرتُ بأنه واجب أخلاقى وإنسانى يقع على عاتق جيلنا الذى يكمل المشوار، أن يقدم كلمة شكر واجبة، وأن نؤسس لآلية واضحة الملامح تحمى تاريخ هؤلاء الرائدات، وتبرز القيمة والمكانة اللتان تليقان بنبلهن.

وفى تلك الليلة الدافئة التي احتضنت الاحتفالية بقاعة الأديب «نجيب محفوظ» بمؤسسة الأهرام العريقة، بالتزامن مع اليوبيل الماسى ومرور 150 عامًا على تأسيسها، شهدنا تلاحمًا واندماجًا تاريخيًا غير مسبوق؛ فللمرة الأولى تجتمع كل المؤسسات الصحفية المصرية الكبيرة تحت سقف واحد للاحتفاء بالمرأة، برعاية الهيئة الوطنية للصحافة ليتأسس هذا التقليد السنوى لـ «يوم الصحفية المصرية». 

كانت الأجواء تفيض بمشاعر جارفة؛ الدكتورة هالة السعيد مستشار رئيس الجمهورية للشئون الاقتصادية بمحبتها وتقديرها لـ لأهرام كمدرسة فكر، ودعمها الدائم والفياض للمرأة في كل محفل، كانت حاضرة بمحبة ملموسة وواضحة، والمهندس طارق الملا وزير البترول والثروة المعدنية السابق، والدكتور أحمد غنيم رئيس هيئة المتحف المصرى الكبير، والمستشارة مروة هشام بركات ونخبة من رموز الدولة والفكر يشاركوننا هذا العرفان.

اللحظات الأقرب لروحى، والتى هزت وجدانى حقًا، كانت التفاصيل الإنسانية التى سبقت ورافقت الاحتفال؛ لن أنسى حديثى قبل الليلة مع الأستاذة القديرة عايدة رزق، وهى تعبر بنبرة تملؤها الدهشة والامتنان بأنها المرة الأولى التى يدعوها الأهرام لتكريمها، رغم أنها أفنت عمرها بين جدرانه، دهشة عاتبة رغم استحقاقها المطلق، وحديث مطول مع الأستاذة الكبيرة سكينة فؤاد، التى غيبها المرض جسدًا وحضرت بمشاعرها الجياشة عبر كلمات فخورة ومؤثرة، مؤكدة أنها لحظة لن تنساها أبدًا، وجاءت لتتوج مشوار عمرها.

أما خلال الحفل، فقد كان لوجود الأستاذة القديرة سناء السعيد هيبة خاصة، كانت دموعها الصامتة أبلغ من أى كلام؛ قالت بكلمات بسيطة: إنها لم تكن تنتظر أو تتوقع هذا التقدير، وظنت أن عطاءها أصبح منسيًا فى زحام الأيام، لكن إحساسها اليوم بأنها «لم تُنسَ» أعاد نبض الحياة إلى الحياة مرة أخرى. وبذات الدهشة النبيلة والاستحقاق، غمرتنا نظرات وكلمات الأستاذة ماجدة موريس الممتنة، وتجسَّد وفاء الأجيال فى دموع ابنة الأستاذة أفكار الخرادلى، التى يربطها تاريخ طويل وممتد بمجلة «نصف الدنيا» كرئيس تحرير قديرة قبل رحيلها عن عالمنا.

وسط هذا الطوفان من المشاعر، كانت روحى تتوق وتتمنى لو اتسع الوقت لتكريم أسماء أخرى حفرت فى وجداننا أثرًا لا يُمحى، ونحن نعد الأيام لنحتفى بوجودهن وتاريخهن فى الدورات القادمة، وفى مقدمتهن الأستاذة منى رجب بعطائها الممتد، والأستاذة عزة الحسينى التي قادت مسيرة مجلة البيت كرئيس تحرير، والأستاذة أهداف البندارى، والأستاذة منحة البطراوي، والأستاذة فاطمة السيد أحمد، وكثيرات ممن أثرين الصحافة والكتابة بنُبل ومسئولية، ليصبح «يوم الصحفية المصرية» يومًا تنتظره كل كاتبات مصر.

إننى وأسرة التحرير، نؤمن بأن الفن والكلمة هما وجهان للتنوير؛ فبينما تصنع «نصف الدنيا» الخطاب القيادى للمرأة، ترتقى «البيت» بالذوق والجمال لبناء الوعى والتحضر والثقافة.

واليوم، نمد الجسور نحو الغد بإطلاق «منصة الأهرام ستايل» الرقمية لتكون بوابة المرأة المصرية المعاصرة، كما امتدت رسالة التقدير عبر معرض «المرأة» الفنى الذى تجلت فيه نون النسوة بعيون كبار فنانى مصر من خلال مقتنيات الأهرام النادرة، لتؤكد أن الفن والكلمة هما عملة واحدة عنوانها «التنوير». 

شكرًا لكل من آمن بهذا الحلم، وشكرًا لزملائى الذين يناضلون من أجل صنع كلمة مسئولة كل يوم؛ لنظل دائمًا على عهد «صاحبة الجلالة».. منارة للعلم، ومنصة للحق، وصوتًا للشرف.

شكر واجب للجنة الاستشارية الموقرة التى تبنت حلم «المرأة والكلمة» وحولته إلى حقيقة راسخة؛ على رأسها المهندس عبدالصادق الشوربجى رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، والدكتور محمد فايز فرحات رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، والكاتب الكبير محمد سلماوى، والكاتب والإعلامى الأستاذ حمدى رزق، والأستاذ ماجد منير رئيس تحرير جريدة الأهرام، والدكتور أسامة السعيد رئيس تحرير جريدة الأخبار، والأستاذ أحمد أيوب رئيس تحرير جريدة الجمهورية، والأستاذ جمال الكشكى رئيس تحرير مجلة الأهرام العربى، والكاتب والإعلامى خيرى رمضان. شكرًا لجهدكم النبيل فى صياغة هذا التقليد وصون ذاكرة الإبداع الصحفى، وتحية  خاصة لعطاء غير مشروط من الإعلاميين الكبار، الأستاذ سمير عمر رئيس قطاع الأخبار بالشركة المتحدة  للخدمات الإعلامية، والإعلاميتين الكبيرتين جاسمين طه زكى ورندة أبو العزم على المشاركة الاستثنائية فى احتفال «يوم الصحفية المصرية» الأول.

كلمات البحث
الأكثر قراءة