ترى هل يسير دونالد ترامب على خطى الرئيس الأمريكي ويلسون، بعدما وقّع ترامب اتفاقًا مع إيران في فرساي، يُخلّد في التاريخ، لكن لأسبابٍ سلبية، مثلما يقول منتقدوه.
ويذهب كثير من الخبراء الغربيين إلى حد القول إنه عند قراءة الاتفاق، لا يسع المرء إلا أن يُصدم بالاختلال الذي يكشفه ويعكسه. ويجادل هؤلاء الخبراء أن هذا الاتفاق رسّخ النظام الإيراني ونسي الشعب، كما فقدت أميركا مصداقيتها، وتعرّضت إسرائيل للإذلال، وحتى لو كان "طريق ترامب" يولد قدرًا من الأمل، فإن الرئيس الأمريكي يفجر موجات متلاحقة من عدم الثقة، وعدم اليقين على حد سواء.
ولقد امتدت حالة عدم الثقة بترامب لتشمل إسرائيل، مما دفع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس لمهاجمة إسرائيل، محذرًا من مهاجمة الإدارة الأميركية أو عرقلة الاتفاق الموقّع مع إيران. وهذه التطورات تسببت في إحراج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي كان يعوّل على علاقته الوثيقة بالرئيس ترامب لتعزيز موقعه السياسي. غير أن ترامب غيّر موقفه تجاه الملف الإيراني ووقّع اتفاقًا مع طهران اعتبرته إسرائيل متساهلاً.
وفي الوقت نفسه كشفت الأزمة حدود القوة الإسرائيلية واعتمادها على المساندة الأميركية، خصوصًا في مجال الدفاع الجوي.
وترى مصادر عربية ودولية أن إسرائيل أصبحت أكثر عزلة دوليًا، إذ فقدت جزءًا كبيرًا من الدعم السياسي والشعبي، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة، ما يثير بعض الشكوك بشأن مستقبل علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن.
وترى مصادر عربية مطلعة أن الغطرسة السياسية لدى واشنطن وتل أبيب أسهمت في تقوية النزعة القومية داخل إيران، كما أدى التهديد بإغلاق مضيق هرمز إلى منح طهران ورقة ضغط مؤثرة على الاقتصاد العالمي.
وعلى المستوى الإقليمي، دفعت الحرب دول الخليج إلى البحث عن تهدئة مع إيران، فيما تراجع النفوذ الأمريكي لصالح الصين على الساحة الدولية.
وفي المقابل تتابع الصين الحرب بين الولايات المتحدة وإيران باعتبارها مختبرًا استراتيجيًا لاستخلاص الدروس المتعلقة بتايوان. فرغم دعمها المفاوضات الرامية إلى تحقيق سلام دائم، حذرت بكين من أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر تعقيدًا، وفي الوقت الذي تستفيد فيه بكين من انشغال واشنطن بالشرق الأوسط، ترى الصين أن صمود إيران أظهر محدودية استراتيجية "قطع الرأس" وعدم قدرة الضربات العسكرية على إسقاط الأنظمة بسرعة.
كما أبرزت الحرب أهمية اللامركزية في القيادة العسكرية، وهو ما يثير تساؤلات داخل الجيش الصيني الذي يعتمد هيكلًا أكثر مركزية.
ويرى الخبراء أن بكين تستخلص من التجربتين الإيرانية والأوكرانية أن التفوق العسكري لا يضمن النصر السياسي، وأن الحروب الحديثة تمنح أفضلية للدفاع والطائرات المسيّرة والأسلحة منخفضة التكلفة.
ومن ناحية أخرى تحذر مصادر عربية مطلعة من أنه برغم ما اعتبره النظام الإيراني انتصارًا، فإنه قد يواجه تحديات خلال مرحلة السلام، إذا بالغ في تقدير قوته، أو تجاهل التحولات الداخلية المتسارعة.
ويبقى أن الأزمة الأمريكية الإيرانية دخلت بالفعل مرحلة "سباق الزمن"، خاصة وأن النقاش أصبح مرتبطًا بقدرة كل طرف على تحسين شروطه قبل التوصل إلى أي تسوية نهائية.
ويرى الخبراء أن التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة أعادت تشكيل المشهد بصورة واضحة سواء من خلال جولات المفاوضات، أو عبر المناوشات العسكرية بين واشنطن وإسرائيل وطهران، أو التصعيد في لبنان خلال الفترة الماضية.
فقد تمكنت قوات حزب الله من كسر حالة التفوق الإسرائيلي الكاسح، واستعادة زمام المبادرة في بعض المناطق بشمال إسرائيل وهو ما انعكس على مسار المواجهات، وأضعف الرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن انتصارات مدوية، وتقدم مستمر في تحقيق الأهداف الإسرائيلية على مختلف المحاور. وقد منحت هذه المعطيات، وإغلاق مضيق هرمز طهران أوراقًا إضافية خلال المفاوضات.
ومن الأمور الملفتة للانتباه تصاعد نغمة أن "أمريكا خسرت حربها مع إيران"، وأن وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران لا يعني أن الولايات المتحدة خرجت منتصرة.
إذ يرى أنصار تغيير النظام الإيراني أن تدخُل دونالد ترامب في الشرق الأوسط ربما ترك النظام الإيراني أقوى مما كان عليه قبل النزاع.
ويتوقف هؤلاء عند التكلفة الاقتصادية للحرب، من الدمار وارتفاع أسعار الطاقة إلى تراجع النمو العالمي والضغط على الحكومات والشركات والأسر، لكن ما إن تبدأ هذه الضغوط بالتراجع مع عودة حركة النفط، والغاز، والمواد الخام والأدوية، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، إلا أن آثار الأزمة سوف تستمر لفترة.
وثمة إجماع في الآراء على أن بنيامين نتنياهو يظل العقبة الأخطر أمام سلام أكثر استقرارًا، لأنه يعتبر أن إضعاف إيران يعزز أمن إسرائيل. ويشير هؤلاء إلى أنه يواصل، رغم انزعاج ترامب، عملياته في جنوب لبنان لتحييد حزب الله، كما يبدو أنه يسمح بتوسيع المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية.
وفيما يتعلق بالداخل الأمريكي، فإن مجلس الشيوخ لم يوافق بعد على مذكرة التفاهم، وسوف يحتاج ترامب إلى إقناع الجمهوريين المتشددين بأن اتفاقه أفضل من اتفاق باراك أوباما مع إيران، حتى لو كان أقل شمولاً، ويتضمن الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة.
ويمكن حصر الشكوك في الاتفاق ومصيره في عدة نقاط هي:
إن أول عناصر الضعف يتمثل في طبيعة الاتفاق نفسه، "إذ إنه لا يعدو كونه مذكرة تفاهم لا ترقى إلى مستوى اتفاق سلام ملزم"، كما أن المهلة المحددة بـ60 يومًا لمواصلة المفاوضات تبدو قابلة للتمديد إلى أجل غير محدد، ما يجعل التفاهم الحالي أقرب إلى ترتيب مؤقت يمكن لأي طرف التراجع عنه "بتكلفة سياسية محدودة".
أن الاتفاق أُبرم بين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ونظيره الإيراني، مسعود بزشكيان، في حين أن "القرار النهائي في إيران يبقى بيد المؤسسة الدينية الحاكمة".
أن المذكرة لا تحقق الأهداف التي أعلنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عند بدء الحرب، والتي شملت إسقاط النظام الإيراني، وإنهاء البرنامج النووي الإيراني، والقضاء على القدرات الصاروخية الباليستية، وتفكيك شبكة الحلفاء الإقليميين لطهران، فضلاً عن ضمان السيطرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز.
أن ما تحقق على الأرض "لا ينسجم مع هذه الأهداف"، إذ بقي النظام الإيراني قائمًا، كما لم يُنهِ البرنامج النووي بشكل كامل، بل ما زال الاتفاق يسمح باستمرار نشاط نووي مدني.
تمثل إسرائيل أحد أبرز عناصر الغموض في الاتفاق، إذ تنص المذكرة على وقف العمليات العسكرية من جانب الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما، بما في ذلك في لبنان، لكنها لا تذكر إسرائيل بصورة مباشرة، ما يثير تساؤلات حول مدى التزامها ببنود الاتفاق.
ثمة تساؤل حول استعداد طهران للفصل بين النشاط النووي المدني والعسكري.
هل ستقاوم إيران إغراء استخدام إغلاق مضيق هرمز إذا تعثرت المفاوضات المقبلة؟
إن نجاح الاتفاق "يعتمد جزئيًا على استعداد دول الخليج والجهات المانحة الأخرى للوفاء بتعهداتها المالية"، وهو أمر ليس مضمونًا بالكامل بعد هجمات طهران داخل أراضي بعض هذه الدول، وما أثارته من مخاوف تتعلق بالأمن والاستقرار.
وأحسب أننا في بداية المرحلة الأصعب لتحقيق السلام، أو تفجير المنطقة.