كتابتي ستكون مختلفة هذه المرة عن جل كتاباتي، وإن كانت ستدور في ذات الفلك، فلك المواطنة وحب الوطن، وأن حبه من الإيمان.
لكن سأتحدث عن كرة القدم، الساحرة المستديرة التي يجتمع على حبها الكبير والصغير، الشاب والصبي والهرم، الفتيات والسيدات، كل القلوب تتعلق بها، خصوصًا عندما يكون الفريق المنتخب الوطني، تشكيلة منتخب مصر، فعند الجلوس أمام شاشات التلفاز، في البيوت، في النوادي، في المقاهي، تذوب كل الفروق الطبقية، ليس ثمة مناصب، الكل يهتف هتافًا واحدًا مصر، تحيا مصر.
وهذا ما لفت نظري بالأمس وقت إذاعة مباراة مصر وبلجيكا، فقد شاهدت عجب العجاب حال عودتي من صلاة العشاء، المقاهي ممتلئة، شاشات العرض العملاقة تملأ شوارع دار السلام، وإذ بأصوات جماهير غفيرة تصيح بأصوات مرتفعة، قلت في قرارة نفسي لو كان هدفًا ضدنا ما سمعنا كل هذا الصياح وهذه الفرحة، وتوقفت أمام مقهى وعيناي تحدق في الشاشة فوجدت تقدم مصر ذات العلم الجميل بهدف مقابل لا شيء للفريق الآخر.
فلم استكمل شراء أغراض المنزل اليومية كالمعتاد وهرولت مسرعًا إلى البيت فسمعت صياح أولادي قبل أن أطرق الباب، ودخلت عليهم فوجدتهم جميعًا أمام شاشة التلفاز يتابعون باهتمام شديد.
فشيء ما دفعني دفعًا إلى الجلوس معهم لمتابعة هذه المباراة الرائعة.
أنا لست محللاً رياضيًا كرويًا، ولكن بعين المحب العاشق لبلاده، شاهدت روح فريق يعمل عملاً جماعيًا، يعزفون سيمفونية تناسقية متكاملة، تبدأ من حارس المرمى الشجاع الذي تصدى لضربات كثيرة، لكنه بعنفوان الشباب وبحماسته وبمهارته تصدى وأنقذ مرماه من أهداف محققة.
فضلاً عن خط دفاعي ممتاز ينقصه الخبرة في التعامل مع خصومه المحترفين، مع احتياجه للمزيد من اللياقة البدنية التي ستساعده حتمًا في التصدي للهجمات المرتدة خصوصًا أمام فريق يغلب على أفراده الألعاب المهارية فضلاً عن سرعتهم الفائقة وقدرتهم على المراوغة. فضلاً عن طول قامتهم، فليس المفروض أن يتصدى حارس المرمى لكل الكرات المرتفعة، ومن ثم ضرورة لفت الأنظار حتى يتم تدارك الأمر في اللقاءات المقبلة.
أما بالنسبة لخط الوسط، فكان ينبغي تدعيمه بلاعبين مهاريين أكثر من ذلك، بالإضافة إلى مهارتهم أن يكون لديهم لياقة بدنية عالية، وعندهم القدرة على اللعب على الكرات البينية الطويلة والزحف على الأجناب والتنسيق بينهم وبين خط الهجوم، فلا يجوز بحال من الأحوال الاعتماد على الهجمات المرتدة فقط، والاعتماد على لاعب واحد فقط، خصوصًا إذا كانت عليه رقابة لصيقة.
أما بالنسبة لطاقم التدريب، طاقم وطني تغلب عليه الحماسة الشديدة، لكن ضرورة أن يعلم أنه يلعب في مسابقة كأس عالم، فالانفعال الزائد على الحد قد يخرجه عن السيطرة على نفسه، وقد يرتكب أخطاءً قد تطرده من الملعب.
فليس هناك مبرر لانفعاله على الحكام، فالحكم سيد الملعب وصاحب التقدير في كل صغيرة وكبيرة على أرض الملعب، ولولا ثباته الانفعالي كان من الممكن أن يطرد المدير الفني للمنتخب المصري.
لذلك نطالبه بالهدوء؛ لأن انفعاله لن يغير قرارًا اتخذه الحكم.
أيضًا نطالبه، بتعديل خطة الملعب في اللقاء السابق، تدعيم خط الدفاع، خلق جو من التنسيق بين خط الوسط وخط الهجوم.
كذلك نطالبه بالتخلي قليلاً عن مدرسة اللعب على الهجمة المرتدة والدفاع طيلة الوقت.
أيضًا، وهذا أعتقد أنه مهم للغاية، الابتعاد باللاعبين عن الظهور الإعلامي وعقد الصفقات الإعلانية، حتى لا يحدث مثلما حدث في مونديال روسيا.
كذلك نطالب الجهاز الإداري بغلق معسكر اللاعبين غلقًا محكمًا، والابتعاد بهم عن مشاهير الفن الذين ذهبوا للتشجيع، نحقق حلمنا أولاً، ثم نفتح المجال بعد ذلك للقاءات المشاهير والتقاط الصور التذكارية معهم.
فالمعسكر أشبه بمعسكرات الجيوش التي تستعد لخوض المعارك.
كذلك نتمنى تقديم الدعم للفريق، الدعم بكافة أشكاله وصوره، الدعم المادي والمعنوي.
بمعنى توفير كافة الإمكانات المادية اللازمة لضمان معسكر وإقامة معتبرة تساعد الفريق على أداءٍ راقٍ يليق باسم مصر، أيضًا الدعم المعنوي الذي نتمناه، وقوف القيادة السياسية خلف الفريق عن طريق التواصل الدائم والمستمر بالجهاز الإداري، وتذليل كل العقبات أمامه.
أيضًا نتمنى عقد ندوات تثقيفية قبل وبعد كل مواجهة، لتحفيز الفريق على الأداء الإيجابي وتوضيح أهمية العمل الذي يقومون به لبلدهم ولوطنهم، وأن هذا واجب قومي ووطني.
نعم قادرون على تحقيق الحلم، لا أقول الفوز بالمونديال وبطولة كأس العالم، وإنما تحقيق نتائج إيجابية والصعود إلى دور السادس عشر ودور الثمانية.
وما المانع طالما جميعنا على قلب رجل واحد، يجمعنا روح الفريق الواحد، يوحدنا حب وطننا مصر الغالية التي تستحق بذل الجهد من أجل رفعتها.
أقول هذا الكلام ليس على مستوى الرياضة الكروية فقط، بل على جميع مستويات الأنشطة الرياضية، ليس هذا وحسب، بل على كافة الأصعدة والأنشطة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والدينية كل في مجاله وحسب تخصصه.
والقادم أفضل إن شاءا لله تعالى.
أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة ورئيس القسم السابق