القاهرة.. 22 يونيو 2026.. السادسة صباحًا…
في اللحظة التي أطلق فيها عمر العلي الحكم الإماراتي لمباراة مصر ونيوزيلندا في بطولة كأس العالم صافرة النهاية؛ رفعت يديَّ الاثنتين عاليًا، وضممتُ قبضتيَّ، سعادةً بالنصر، تسجيلًا للِّحظة، وإعلانًا لختام العملية!
إنها عملية الظفر بأول فوز مصري في تاريخ بطولة كأس العالم، بعد 92 عامًا على أول مشاركة بها، في المباراة الرسمية التاسعة للمنتخب ضمن أربع مشاركات؛ مباراة واحدة عام 1934، وثلاث مباريات في كل من 1990 و2018، ثم مباراة بلجيكا قبل أيام، بثلاثة تعادلات وخمس هزائم، حتى حان موعد النصر لأول مرة أمام نيوزيلندا.
الآن.. أشرقت أخيرًا شمس الكرة المصرية، لتعلن عن نفسها ومكانتها المستحقة في سماء «العالمية»، بعد عقود طويلة من تبوُّء مواقع الصدارة على مستوى القارة الإفريقية، إلا أنها برغم ذاك ظل تواجدها الدولي محاطًا دومًا بالغيوم، والشكوك.
مشاركاتٌ قليلةٌ ومتعثرة في بطولات كأس العالم، لأسباب غير منطقية أو مفهومة أحيانًا، حتى إن الجيل الذهبي الذي حصد بطولة إفريقيا ثلاث مرات مع المدرب الوطني حسن شحاتة لم ينجح في الوصول أصلًا إلى المونديال.. كيف هذا؟!.. ولماذا؟!
الرابعة صباحًا.. قبل بدء المباراة.. فجرٌ مُلتبس...
برغم الأداء القوي لمنتخبنا في المباراة السابقة أمام بلجيكا، والخروج بنتيجة التعادل الإيجابي، وبرغم الآمال والترشيحات التي ترجح كفة الفريق المصري أمام نظيره النيوزيلندي، إلا أن الحذر سيطر على توقعات المصريين لنتيجة المباراة، بفعل تاريخ الشك، وتكاثف الغيم، في لحظات تحديد المصير.. فماذا نحن فاعلون؟!
عوَّدتنا الكرة المصرية طويلًا على أن «كل الاحتمالات مفتوحة».. مباراة إعجازية قد تعقبها أخرى كارثية.. الحزن مغزولٌ دومًا في جديلة الفرحة.. والسعادة الغامرة قد تستيقظ في اليوم التالي على صدمة.. «كل النتائج متوقعة» ولكن....
صباح الثاني والعشرين من يونيو 2026، شيءٌ ما قد اختلف، شيءٌ ما بدَّد كتل الغيم، شق طريق السحاب، بثبات وثقة، بعمل جاد، شديد الدقة، بإخلاص وضمير، وإصرار على النصر.
وكما أن الحياة رحلة، تتراوح خطواتنا فيها بين النجاح والفشل، ولأن الكرة انعكاس وتصوير لرحلة الإنسان في الدنيا، جاء الشوط الأول من مباراة نيوزيلندا المصيرية ليعزز مخاوف المصريين الصامتة، من تذبذب المستوى، والتراجع عقب النجاح، والإحباط بعد الفخر.. مُنِي مرمانا بهدف.. ولم نقدم ما يدعو إلى الثقة.. ولكن...
في قلب مرارة الانكسار تسكن إرادة النصر، ومن جوف ظلام الليل يبزغ شعاع النور. المهم هو العمل، والقتال بصبر وشرف، لأجل بلوغ الهدف.. وهذا ما كان.
بدأ الشوط الثاني من المباراة.. وبدا أن أحد عشر رجلًا قد عقدوا العزم على حرث الأرض، لإسعاد المصريين، لا مجال لتخاذل، لا تكرار لأخطاء، إنما هو الجهد والعرق، التخطيط والفكر، غزو كل البقاع بهدف فتح الثغرات، بسرعة دون تسرع، وبقوة لا تعوزها الدقة.
انقلب الحزن فرحًا، والتأخر تقدمًا. استحالت الخسارة بهدفٍ فوزًا بثلاثة أهداف، ليتحقق النصر المصري الأول في تاريخ المونديال، ويتربع المنتخب الوطني على قمة مجموعته «لأول مرة»، تمهيدًا للوصول إلى الدور التالي في البطولة «لأول مرة»!
سوف نكتب الكلمتين ما بين التنصيص هنا كثيرًا بحول الله، فالتاريخ الآن يُكتب، وفي التاريخ دومًا لا بد من «مرة أولى»، يُفتح بها طريق المستقبل.
يحق لحسام حسن المدرب الوطني التاريخي أن يفرح. ويحق لمحمد صلاح قائد المنتخب العالمي أن يفرح. ويحق لكل رجل من رجال الفريق ومنظومته التدريبية والطبية أن يفرح.. كما يحق للشعب المصري المتلهف لاقتناص لحظة سعادة صافية أن ينعم ويبتهج ويفخر.. فقد أصبح لدينا الآن «منتخب».. أصبح لدينا فريقٌ حقيقي.. له درعٌ وسيف.
السادسة صباح الاثنين 22 يونيو 2026.. إنها لحظة شروق يوم «العالمية».. والشروق يظل دومًا بداية.. لها ما بعدها.. مما ينبغي أن نواصل الطريق لنستكمله.
لكننا الآن، ونحن على الدرب؛ ونحن نخطو على أعتاب بيت الكرة الحقيقية في العالم، سوف نبدأ استلهام ثقافة وسلوك جديدين؛ هما ثقافة وسلوك النجاح، الذي لا يُصدم أصحابه لتعثر، ولا ينقلبون من النقيض إلى النقيض، فالكرة كما الحياة بين هذا وذاك، والمتقدم قد يتراجع غدًا كما تراجع آخر ونسبقه في طريق التقدم، وقد يمضي إلى الأمام ويحلق بعيدًا.. لِمَ لا؟!.. إنها كرة القدم.. إنها الحياة...
الصعود والهبوط صنوان. النجاح والفشل متلازمان. ولا عجب. المهم هو العمل بجدية ودأب، لأجل المستقبل، بثقة دون إحباط، مهما يحدث في الغد، فقد استوت تحت أرجلنا الأرض، وسوف تكون وجهتنا دومًا إلى الأمام.
جميلةٌ فرحة المصريين، حالمةٌ ومبهجةٌ وحنون، لا تأتي إلا محملة بالشجون، شجون غذَّاها صبر السنين؛ لوعتها، وشوقها للفرحة. وأنا واحدٌ من هؤلاء، فاعذرني أيها القارئ الكريم، لا أملك في مقال اليوم إلا هذا الحديث؛ حديث الفخر والسعادة، دون تحليل أو تشخيص، إنما هي فقط سطورٌ بالشعور، بمداد من الدموع، فالتمس لي الأعذار، في هذا الصباح البهيج.