لعل أحد أكثر الأخطاء شيوعًا في قراءة أدوار الدول الإقليمية هو الخلط بين الظهور والتأثير، وبين الضجيج والفعل. فثمة دول تنتج حضورها عبر الخطاب، وثمة دول تنتج حضورها عبر النتائج.
وبين النموذجين تقع مصر في السنوات الأخيرة بوصفها دولة اختارت ــ بدرجات متفاوتة من الوعي والتعمد ــ أن تجعل من الفعل الدبلوماسي بديلاً عن التسويق الدبلوماسي، ومن إدارة الأزمات بديلاً عن الاستثمار الإعلامي فيها.
إن طبيعة الدور المصري لا يمكن فهمها إلا من خلال النسق الذي يحكم هذا الدور. فالدولة المصرية تنطلق من تصور يكاد يكون ثابتًا منذ عقود، مفاده أن الاستقرار الإقليمي مصلحة إستراتيجية وجودية.
فالدولة التي تقع في قلب العالم العربي، وتجاور بؤر التوتر الممتدة من غزة إلى ليبيا، ومن السودان إلى البحر الأحمر، لا تملك ترف التعامل مع الأزمات بوصفها أحداثًا بعيدة، بل تنظر إليها باعتبارها دوائر أمن متداخلة تنعكس نتائجها مباشرة على أمنها القومي.
من هنا يمكن فهم لماذا تميل القاهرة إلى العمل في المساحات الأقل صخبًا التي لا تجذب الأضواء. فالدبلوماسية المصرية، بخلاف نماذج أخرى في الإقليم، لا تنظر إلى الوساطة باعتبارها أداة لبناء صورة الدولة فقط، ولكن تعتبرها عملية تراكمية تتطلب الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع أطراف متناقضة وربما متصارعة. وكلما زاد الحديث عن هذه القنوات، تقلصت فاعليتها. لذلك يصبح الصمت في كثير من الأحيان جزءًا من أدوات العمل.
هذه الفلسفة تعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة النفوذ في الشرق الأوسط. الذي يقاس في النهاية بعدد الأطراف المستعدة للرد على الهاتف عندما تتصل القاهرة. ففي منطقة تتآكل فيها الثقة سريعًا، يصبح الحفاظ على القدرة على التواصل مع الجميع موردًا إستراتيجيًا أكثر أهمية من تحقيق مكاسب دعائية مؤقتة.
ولهذا السبب تبدو مصر أحيانًا وكأنها أقل حضورًا مما هي عليه فعليًا. فالدول التي تبني نفوذها على الإعلان المستمر عن أدوارها تحقق مكاسب فورية في معركة الصورة، لكنها تخاطر بفقدان هامش الحركة.
أما الدولة التي تعمل بصمت فتخسر أحيانًا جزءًا من الاعتراف العام بدورها، لكنها تحتفظ برأس مال أكثر أهمية يتمثل في الثقة والقدرة على المناورة.
إن الترفع المصري النسبي عن تحويل كل تحرك إلى حملة إعلامية يعكس أيضًا فهمًا خاصًا لمفهوم القوة. فالدول الواثقة من مكانتها لا تشعر دائمًا بالحاجة إلى الإعلان عن كل ما تقوم به، لأن جزءًا من قوتها مستمد من إدراك الآخرين لما تستطيع فعله لا مما تقوله عن نفسها.
غير أن لهذا النهج كلفته الواضحة. ففي عصر الإعلام الرقمي والشبكات الاجتماعية أصبحت الصورة جزءًا من القوة نفسها. ولم يعد كافيًا أن تمارس الدولة دورًا مؤثرًا إذا كانت غير قادرة على رواية قصتها. وهنا تواجه مصر معضلة حقيقية؛ إذ إن العمل في صمت يمنحها مرونة سياسية كبيرة، لكنه يترك المجال أحيانًا لخصومها أو لمراقبين بعيدين لملء الفراغ السردي والتشكيك في حجم تأثيرها. ومن ثم تظهر مفارقة لافتة: فكلما ازداد انخراط الدولة في إدارة الأزمات بعيدًا عن الأضواء، كثر احتمال تعرضها لاتهامات بالغياب أو التراجع.
لكن هذه الكلفة لا تلغي المكاسب. فالمكسب الأهم لهذا النهج يتمثل في حماية الدور نفسه من الاستهلاك. فالدبلوماسية التي تتحول إلى استعراض دائم تصبح أسيرة لجمهورها، وتضطر إلى اتخاذ مواقف تخدم الصورة أكثر مما تخدم التسوية. أما الدبلوماسية الهادئة فتحتفظ بقدرتها على التراجع والتقدم وتعديل المواقف وفق مقتضيات التفاوض.
ويمكن القول إن مصر، بحكم موقعها وتاريخها، تمارس ما يمكن تسميته "سياسة المسئولية الإقليمية". فهي تتحرك باعتبارها دولة ترى أن انهيار التوازنات الإقليمية ينعكس عليها مباشرة. ولهذا كثيرًا ما يبدو هدفها الأساسي هو منع الانفجار لا تسجيل النقاط، وإدارة الصراع لا تعميقه، وإبقاء الأبواب مفتوحة حتى عندما تبدو وكأنها مغلقة بالفعل.
في هذا السياق يصبح الصمت ليس غيابًا، ولكن لغة سياسية قائمة بذاتها. لغة تفترض أن بعض الأدوار تكتسب قيمتها من عدم الحديث عنها، وأن بعض النجاحات الدبلوماسية لا يمكن الإعلان عنها إلا بعد تحققها، وأن النفوذ الحقيقي قد يكون في كثير من الأحيان ذلك الذي لا يرى مباشرة، لكنه يترك أثره في منع الأزمات من الانفجار أو في دفع الخصوم نحو طاولة التفاوض.
ومن ثم فإن تقييم الدور المصري ينبغي أن ينطلق من سؤال: "كم أزمة بقيت قابلة للإدارة والحل؛ لأن مصر كانت حاضرة كطرف في مساعي حلها؟" فالتاريخ الدبلوماسي دائما ما يكتب بما جرى منعه من تفاقم للأزمات، وما تم إدارته من صراعات. وفي عالم تتزايد فيه قيمة الصورة، تظل هناك أدوار لا تزال تمارس بمنطق أكثر هدوءًا؛ منطق تم اكتسابه وبلورته عبر مائتي عام من الدبلوماسية المصرية التي تحتفل بقرنين من الزمن هذا العام.