صورة مصر في الفكر الياباني (1)

23-6-2026 | 13:44

على مدار أربع حلقات أتناول في هذا المقال "صورة مصر في الفكر الياباني" والاهتمام الياباني الفكري المبكر ودوره في تشكيل الوعي الياباني بمصر. ترجع الجذور الأولى للاهتمام الياباني بمصر إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ ففي عام 1889م، أصدر الكاتب الروائي الصحفي السياسي الياباني "شيبا شيرو Shiba Shiro"، وهو من أبرز كُتاب عصر ميجي 1868م، واشتهر أيضًا باسم "توكاي سانشي Tokai Sanshi" -وهو الاسم الأدبي الذي نشر به أعماله- كتابه "تاريخ مصر الحديث Egipto Kinseishi".

تناول في هذا الكتاب تاريخ مصر الحديث، ويتكون من 25 فصلًا، حيث تناول ووصف جغرافية مصر وطبيعة أرضها ثم سكانها وأصولهم العرقية، ثم العلوم والآداب المصرية، وتعرض لقدم الحملة الفرنسية إلى مصر، وكيف كانت بداية التحديث المصرية، ثم تناول دور محمد علي في مصر الحديثة، وما قام به ورثته من أبنائه من دور في بناء هيكل الدولة الحديثة، وانتقل بالحديث عن مشروع قناة السويس، ثم إلى تشكيل المحاكم والنظام القضائي المصري، وتحدث عن "حركة حزب الشعب"، ثم انتقل الحديث عن ثورة عرابي عام 1881م، وما تلى ذلك من الاحتلال الإنجليزي، واللقاء الذي تم بينه وبين الزعيم الوطني أحمد عرابي في منفاه بجزيرة سيلان (دولة سريلانكا حاليًا)، وأشاد بثورته -أي ثورة عرابي الوطنية- وأشاد به أيضًا قبل ذلك في كتابه "Kajin-no-Kiguu" الذي أصدره عام 1887م. وكان معه في هذا اللقاء السياسي "تاني تاتيكي - تاني كانجو Tanitateki-Tanikanjou".

وفي عودتهم قاموا بزيارة مدينة الإسكندرية للاطلاع على نظام الجمارك هناك. ويعتبر كتاب "تاريخ مصر الحديث" "Ejiputo Kinseishi" للكاتب الصحفي الياباني "توكاي سانشي Tokai Sanshi" من أوائل المؤلفات اليابانية التي تناولت تاريخ مصر الحديث، ويحظى بأهمية خاصة في دراسة صورة مصر في الفكر الياباني خلال عصر ميجي، وبداية الدراسات المصرية في اليابان.

وأيضًا في عام 1891م أصدر السياسي الياباني "نومورا سايجي Nomura Saiji" كتابًا تحت عنوان "حلقة نقاش مع عرابي باشا Orabi-Pasha-no-Danwa"، عندما التقى معه في الرابع من ديسمبر عام 1887م، وحاول أن يعرف من عرابي باشا تفاصيل ما حدث وأسباب الهزيمة، وكيف انتصر الإنجليز؛ فهذا الكتاب يعتبر توثيقًا سياسيًا لصورة مصر في الخطاب السياسي الياباني، وأسهم في تشكيل وعي سياسي ثقافي لدى اليابانيين في تلك الفترة، وينقل تجربة مصر التي تثبت إمكانية التحرر من الهيمنة الأوروبية، وأشاد في كتابه بالزعيم المصري أحمد عرابي وبثورته، وتضامنه مع مصر في ثوراتها ضد الاستعمار الأوروبي، والتحول الفكري الإصلاحي والوطني عن طريق زعماء الحركة الوطنية.

وفي السياق نفسه، تناولت جريدة آساهي اليابانية Asahi-Shimbun في عددها الصادر بتاريخ 6 يوليو عام 1884م مقالًا عن الزعيم أحمد عرابي وزعماء الحركة الوطنية المصرية، فصورة مصر تبلورت بوصفها أمة شرقية عربية قوية الإرادة، تمثل إمكانية تاريخية للنهوض خارج الاستعمار الأوروبي، وعلامة مبكرة على التعاطف والتضامن السياسي الثقافي بين مصر واليابان. فتبلورت صورة ذهنية إيجابية، سيتم توظيفها لاحقًا في تطوير العلاقات الثقافية بين مصر واليابان، وملخصها كالتالي:

ففي عام 1884م (السنة 17 من عصر ميجي)، في عهد الخديوي توفيق باشا (1879-1892م)، قام الكاتب الصحفي "نيجيما Nijima" بجولة شملت أوروبا والولايات المتحدة. وخلال توقفه في جزيرة سيلان، التي كانت آنذاك تحت الحكم البريطاني (سريلانكا حاليًا)، نُشر خبر يفيد بلقائه بالزعيم القومي المصري أحمد عرابي باشا (1841–1911م)، وكتب يقول: كان عرابي قد قاد حركة وطنية في مصر، لكنه فشل في تحقيق أهدافها، فقام البريطانيون الذين كانوا يعززون نفوذهم في مصر بنفيه إلى جزيرة سيلان. وتشير المقالات إلى هذا اللقاء، مع ملاحظة وجود تباين في طريقة كتابة اسم عرابي، حيث استُخدم لقب «عرابي باشا» في معظم النص، ثم اختُصر الاسم في موضع واحد فقط، وهو ما يبدو غير متناسق من الناحية التحريرية. كما لوحظ أيضًا أن المقال يذكر اسم «جزيرة سيلان» صراحة في البداية، ثم يصفها لاحقًا بأنها «جزيرة نائية تُدعى سيلان»، وهو تعبير غير دقيق، وكان من الأفضل توحيد التسمية. ويطرح النص تساؤلاً مهمًا: كيف عرف نيجيما، وهو ياباني، بقائد وطني مصري بعيد جغرافيًا؟ بالبحث في أرشيف جريدة أساهي شيمبون عن اسم «عرابي»، تبيّن وجود 26 مقالًا نُشرت بين عامي 1882 و1883م، مما يدل على أن أخبار الثورة العرابية كانت تحظى باهتمام واسع في اليابان آنذاك.

فعلى سبيل المثال، نشرت الصحيفة في عددها الصادر بتاريخ 16 يوليو 1882م مقالًا يستعرض تطورات الأوضاع المتوترة في مصر نتيجة تحركات عرابي. وكانت مصر في ذلك الوقت تعاني من ديون ضخمة للدول الأوروبية، كما كانت شئونها المالية خاضعة لإشراف بريطاني فرنسي. وقد بدأ عرابي، وهو ضابط برتبة عقيد، بالمطالبة بتحسين أوضاع الجنود العرب، ثم تطورت حركته ليصبح قائدًا سياسيًا يطالب بإقامة نظام دستوري وتشكيل برلمان، مستخدمًا الضغط العسكري لتحقيق هذه المطالب.

فسيرة الزعيم أحمد عرابي ترتبط باليابان ارتباطًا فكريًا وحضاريًا لا سياسيًا مباشرًا، ويتمثّل ذلك في نظرته الإصلاحية وإعجابه بتجربة اليابان الحديثة في عصر ميجي 1868م، وظهر ذلك من خلال حلقة النقاش مع عرابي باشا "Arabi-Pasha-no-Danwa"، التي وثقها السياسي الياباني "نومورا سايجي Nomura Saiji" في كتابه الذي صدر فيما بعد، ويمكن توضيح العلاقة في النقاط الآتية:

الزعيم أحمد عرابي واليابان.. علاقة فكرٍ وإلهام

الإعجاب بتجربة اليابان في النهضة: كان الزعيم أحمد عرابي من أوائل القادة المصريين الذين تنبهوا مبكرًا إلى نجاح التجربة اليابانية في التحديث السريع وبناء جيش وطني قوي والجمع بين الأصالة الحضارية والأخذ بأسباب التقدم الغربي، وقد رأى في اليابان مثالًا لأمة تحررت من الهيمنة الأجنبية دون التفريط في هويتها، وهو ما كان يطمح إليه لمصر.

وفي الحلقة المقبلة نتناول تجربة جديدة أخرى للمفكرين اليابانيين.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة