تطفئ الأنوار، وتخلد إلى الفراش بحثاً عن الراحة والسكينة بعد يوم طويل مليء بالالتزام والركض، ولكن بدلاً من إغلاق العينين، تمتد اليد تلقائياً نحو الهاتف المحمول لتبدأ رحلة لا تنتهي من التصفح العشوائي ومتابعة مقاطع الفيديو السريعة وقراءة الأخبار.
موضوعات مقترحة
هذا الطقس الليلي الشائع الذي يمارسه الملايين لم يعد مجرد وسيلة بريئة للتسلية أو الهروب من ضغوط اليوم، بل تحول بمرور الوقت إلى مصيدة حقيقية تلتهم ساعات النوم وتدمر التوازن الهرموني داخل الجسد، ليستيقظ الشخص في الصباح التالي وهو يعاني من خمول حاد وتشتت ذهني يرافقه شعور دائم بالإجهاد، دون أن يدرك أن الضوء الأزرق المنبعث من تلك الشاشة الصغيرة يعبث ببيولوجيا الدماغ ويعيد برمجة ساعته الحيوية بشكل خاطئ.
الساعة البيولوجية
وفي هذا الصدد، قال الدكتور أحمد عصام، استشاري الطب النفسي، إن التصفح المستمر للهواتف الذكية في الظلام وقبل النوم مباشرة يرسل إشارات كيميائية مضللة إلى مركز قيادة الساعة البيولوجية في المخ والمعروف بـ "النواة فوق التصالبية"، مما يوهم الدماغ بأننا ما زلنا في وضح النهار ويؤخر بالتالي العمليات الطبيعية للاستعداد للنوم. وأضاف أن هذا الخلل الافتراضي يتسبب مباشرة في وقف أو تأخير إفراز هرمون "الميلاتونين" المسؤول الأول عن جودة النوم العميق وإصلاح الخلايا التالفة، الأمر الذي يفسر لماذا يعاني عشاق الشاشات الليلية من الأرق المزمن وتقلب المزاج الحاد وصعوبة الاستيقاظ صباحاً مهما كانت ساعات نومهم الطويلة.
وأكد استشاري الطب النفسي، أن خط الدفاع الأول لاستعادة التوازن الهرموني المفقود يبدأ من تطبيق صارم، يقضي بإبعاد كافة الأجهزة الإلكترونية والشاشات المضيئة عن غرفة النوم قبل التوجه للفراش بنصف ساعة إلى ساعة كاملة كحد أدنى.
الأخطاء الشائعة
وأشار إلى أن أكبر الأخطاء الشائعة هي وضع الهاتف تحت الوسادة أو بجانب السرير مباشرة، لافتاً إلى أن مجرد وجود الجهاز في محيط البصر يحفز الدماغ على البقاء في حالة ترقب وتيقظ لانتظار أي إشعار أو رسالة جديدة، مما يرفع من مستويات هرمون "الكورتيزول" و"الأدرينالين" ويزيد من وتيرة القلق والتوتر العصبي والنفسي عوضاً عن الاسترخاء المطلق.
الأضرار النفسية
وفي سياق متصل، لفت الدكتور أحمد عصام، إلى أن الأضرار النفسية والبيولوجية لـ "التمرير اللانهائي" (Doomscrolling) لا تتوقف عند حدود العين والدماغ، بل تمتد لتؤثر سلباً على منظومة المناعة ومعدلات الأيض وحرق الدهون داخل الجسم نتيجة الاضطراب الهرموني الناجم عن السهر المصطنع. وحدد البديل الصحي والآمن في استبدال الشاشات بـ "طقوس فصل رقمية" دافئة ومهدئة للأعصاب، مثل قراءة صفحات من كتاب ورقي، أو الاستماع إلى أصوات الطبيعة الهادئة، أو ممارسة تمارين التنفس العميق في إضاءة خافتة وصفراء غير مباشرة، لمساعدة الجهاز العصبي الباراسمبثاوي على تفعيل وضعية الراحة والترميم البنيوي.
اضطرابات نفسية وسلوكية
من جهة أخرى، حذر، من خطورة الاستهانة بهذا السلوك اليومي واعتباره مجرد عادة عابرة يمكن التخلي عنها في الإجازات، مؤكداً أن الاستمرار في تعريض العين والشبكية للإشعاع الأزرق الليلي لسنوات قد يتطور في بعض الحالات إلى اضطرابات نفسية وسلوكية أعمق مثل الاكتئاب الموسمي وضبابية الدماغ المزمنة وافتقاد الشغف الصباحي. واستطرد موضحاً أن الحل لا يتطلب مجهوداً خارقاً، بل يبدأ من خطوات تدريجية واعية تهدف إلى عمل "ديتوكس رقمي" أسبوعي، يعيد للشخص قدرته الطبيعية على الانفصال التام عن العالم الافتراضي والتصالح مع هدوء جدران غرفته بعيداً عن صخب منصات التواصل الاجتماعي.
مواعيد النوم
واستكمل استشاري الطب النفسي حديثه بالإشارة إلى أن تنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ بشكل ثابت وثنائي يعزز من كفاءة العمليات الإدراكية والذاكرة، ويمنح الشخص طاقة نفسية مضاعفة لمواجهة التحديات المهنية واليومية بكامل هدوئه وثباته الانفعالي مع شروق شمس اليوم الجديد. وأنهى نصائحه بالتشديد على أن امتلاك الشجاعة لإغلاق الهاتف باكراً يمثل الصمام الفعلي لحماية صحتنا العقلية والجسدية في عصر رقمي متسارع، مما يضمن للجميع استعادة متعة النوم الطبيعي العميق والوصول إلى جودة حياة متوازنة وخالية من الإجهاد المصطنع وضوضاء الشاشات المجهدة للعين والروح.
موضوعات قد تهمك: