برحيل السياسي الياباني الكبير يوهي كونو في الثامن من يونيو 2026، فقدت اليابان واحدًا من آخر رجال الدولة الذين جمعوا بين الحكمة السياسية والشجاعة الأخلاقية والإيمان العميق بقيم السلام والتعايش الإنساني.
بالنسبة لي، لم يكن يوهي كونو (89 عامًا) مجرد اسم بارز في الحياة السياسية اليابانية، أو رئيس سابق لمجلس النواب، أو وزير خارجية سابق، أو أحد أبرز زعماء الحزب الليبرالي الديمقراطي، بل كان شخصية إنسانية استثنائية أتيحت لي فرصة لقائها مرتين خلال عملي مراسلاً لصحيفة الأهرام في طوكيو بين عامي 2000 و2011. وقد نُشر الحواران اللذان أجريتهما معه في الأهرام يومي 5 مايو 2004 و11 يناير 2005، وهما من بين اللقاءات الصحفية التي لا تزال عالقة في الذاكرة حتى اليوم لما كشفاه من عمق شخصية الرجل واتساع أفقه الإنساني والفكري.
منذ اللحظة الأولى التي التقيته فيها وتحدثت معه باللغة اليابانية، لم يكن من السهل أن تشعر أنك أمام واحد من أقوى رجال السياسة في اليابان. فقد كان بعيدا تماما عن مظاهر التعالي التي كثيرا ما تلازم أصحاب المناصب العليا. فقد كان بسيطا في حديثه، وهادئا في نبرته، ودقيقا في كلماته، وباسما في نظراته، لكنه في الوقت نفسه امتلك حضورًا استثنائيًا يفرض الاحترام دون أن يسعى إليه. وكانت لديه تلك القدرة النادرة على أن يجعلك تشعر بأن الحوار معه هو تبادل صادق للأفكار والاهتمامات الإنسانية المشتركة.
لقد عُرف يوهي كونو داخل اليابان، وخارجها، باعتباره أحد أبرز رموز "تيار الحمائم" في السياسة اليابانية، ذلك التيار الذي آمن بأن قوة اليابان الحقيقية لا تكمن في السلاح أو النفوذ العسكري، وإنما في الدبلوماسية والحوار وبناء الجسور مع الآخرين.
وفي زمن تصاعدت فيه النزعات القومية في أنحاء مختلفة من العالم، ظل كونو متمسكا بقناعته بأن مواجهة أخطاء الماضي والاعتراف بها هو الطريق الوحيد لبناء مستقبل أكثر استقرارا وعدالة.
غير أن ما يهمنا في العالم العربي ربما أكثر من أي شيء آخر هو الدور الذي لعبه كونو في تعزيز الحوار بين اليابان والعالمين العربي والإسلامي. فقد كان من أوائل الساسة اليابانيين الذين أدركوا أن العلاقات بين الجانبين لا ينبغي أن تظل أسيرة معادلة النفط والتجارة فقط، بل يجب أن تقوم على فهم متبادل للثقافات والحضارات والقيم الإنسانية المشتركة. ومن هذا المنطلق أطلق ما عُرف لاحقًا بـ"مبادرة كونو"، التي سعت إلى توسيع العلاقات اليابانية مع الدول العربية والإسلامية لتشمل مجالات الثقافة والتعليم والحوار الحضاري.
وخلال حديثه معي، تحدث بفخر عن الجهود التي بذلها لإنشاء مركز للدراسات الإسلامية في وزارة الخارجية اليابانية، انطلاقًا من اقتناعه بأهمية فهم الإسلام بعيدا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر الإرهابية.
وأذكر جيدًا ما قاله لي خلال أحد حوارينا عندما أكد على أن الجهل المتبادل يمثل أحد أخطر مصادر التوتر في العالم، وأن الحوار الصادق هو السبيل لتجاوزه. وربما لهذا السبب حظي الراحل باحترام واسع في الأوساط المصرية والعربية والإسلامية، ليس فقط بسبب مواقفه السياسية المتوازنة، وإنما أيضا بسبب صدقه الفكري واستعداده للاستماع إلى الآخر.
وكان لمصر مكانة خاصة في قلب الرجل. فقد تحدث عنها بمحبة واضحة، واعتبرها الدولة العربية الأكثر قدرة على بناء شراكة إستراتيجية واسعة مع اليابان بفضل تاريخها وثقلها الحضاري والبشري. كما استعاد خلال أحد لقاءاتنا ذكرياته الشخصية المرتبطة بمصر، وهو ما كشف عن ارتباط وجداني يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.
وما كان يميز يوهي كونو أيضا هو نظرته الإنسانية الرحبة إلى العالم. فقد كان يؤمن بأن الحضارات ليست في حالة صراع حتمي، وإنما في حالة تفاعل مستمر يمكن أن ينتج عنه قدر أكبر من التفاهم والتعاون. وكان يرى أن السلام ليس مجرد غياب للحرب، بل هو مشروع طويل الأمد يقوم على العدالة والاحترام المتبادل والتنمية المشتركة. وربما لهذا السبب ظل حتى سنواته الأخيرة مدافعًا عن الدستور السلمي الياباني وعن ضرورة الحفاظ على إرث اليابان كقوة سلام في آسيا والعالم.
واليوم، بينما تودع اليابان أحد أبرز حكمائها السياسيين، فإن العالم يودع أيضًا صوتًا عقلانيًا كان يدعو إلى التفاهم بدلا من المواجهة، وإلى التسامح بدلا من التعصب، وإلى الحوار بدلاً من الصراع.
لقد رحل الرجل الذي آمن بأن الاعتراف بالحقيقة لا يضعف الأمم بل يقويها، وأن احترام الآخر لا ينتقص من الهوية بل يثريها، وأن السلام ليس شعارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة إستراتيجية لمستقبل البشرية.
ولعل أقل ما يمكن أن يُقدَّم لذكرى هذا السياسي الياباني العظيم أن تبادر مصر، ومعها جامعة الدول العربية، إلى تكريمه بصورة تليق بمكانته وبما قدمه من جهود صادقة لتعزيز العلاقات المصرية اليابانية والعلاقات العربية اليابانية. فهذا التكريم لن يكون مجرد وفاء لرجل رحل، بل تأكيد قيمة السلام والتسامح والحوار التي عاش من أجلها، وتركها إرثًا أخلاقيًا وسياسيًا يستحق أن يبقى حاضرًا في ذاكرة العرب واليابانيين معًا.
وداعًا يوهي كونو.
وداعًا أيها الحكيم الذي جعل من الحوار رسالة، ومن التسامح منهجًا، ومن السلام قضية عمر بأكمله. سيبقى اسمك حاضرًا في ذاكرة اليابان، وفي ذاكرة كل من عرفك أو التقاك أو تابع مسيرتك، وفي ذاكرة كثيرين من أبناء مصر والعالم العربي الذين وجدوا فيك صديقًا صادقًا وجسرًا نادرًا بين الحضارات.
رئيس وحدة العلاقات الدولية وبرنامج دراسات الطاقة
في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
وزميل كلية الدفاع الوطني في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية